الله تعالى على الإشراك به ، ومن حكمته تعالى أن رتب على الأمور الخبيثة آثارا خبيثة ، فإن الشرك لما كان اعتقاد تأثير من لا تأثير له ، وكان ذلك الإعتقاد يرتكز في نفوس معتقديه على غير دليل ، كان من شأن معتقده أن يكون مضطرب النفس متحيرا في العاقبة في تغلب بعض الآلهة على بعض ، فيكون لكل قوم صنم هم أخص به ، وهم في تلك الحالة يعتقدون أن لغيره من الأصنام مثل ما له من القدرة والغيرة . فلا تزال آلهتهم في مغالبة ومنافرة . كما لا يزال أتباعهم كذلك ، والذين حالهم كما وصفنا لا يستقر لهم قرار في الثقة بالنصر في حروبهم ، إذ هم لا يدرون هل الربح مع آلهتهم أم مع أضدادها ، وعليه فقوله : ﴿ ما لم ينزل به سلطانا ﴾ صلة أجريت على المشرك به ليس القصد بها تعريف الشركاء ، ولكن قصد بها الإيماء إلى أنه من أسبابب إلقاء الرعب في قلوبهم ، إذ هم على غير يقين فيما أشركوا واعتقدوا ، فقلوبهم وجلة متزلزلة ، إذ قد علم كل أحد أن الشركاء يستحيل أن ينزل بهم سلطان . فإن قلت : ما ذكرته يقتضي أن الشرك سبب في إلقاء الرعب في قلوب أهله ، فيتعين أن يكون الرعب نازلا في قلوبهم من قبل هذه الوقعة ، والله يقول ﴿ سنلقي ﴾ ) أي في المستقبل ، قلت : هو كذلك إلا أن هذه الصفات تستكن في النفوس حتى يدعو داعي ظهورها ، فالرعب والشجاعة صفتان لا تظهران إلا عند القتال ، وتقويان وتضعفان ، فالشجاع تزيد شجاعته بتكرر الانتصار ، وقد ينزوي قليلا إذا انهزم ثم تعود له صفته سرعى . كما وصفه عمرو بن الإطنابة في قوله :
وقولي كلما جشأت وجاشت
مكانكك تحمدي أو تستريحي
وقول الحصينن بن الحمام :
تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد
لنفسي حياة مثل أن أتقدما
وكذلك الرعب والجبن قد يضعف عند حصول بارقة انتصار ، فالمشركون لما انهزموا بادىء الأمر يوم أحد ، فلت عزيمتهم ، ثم لما ابتلى الله المؤمنين بالهزيمة راجعهم شيء من الشجاعة والازدهاء ، ولكنهم بعد انصرافهم