تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذا الكلام مسوق لرد اعتقاد من يعتقد انتفاء خلو الرسلل من قبله ، وهذا الإعتقاد وإن لم يكن حاصلا لأحد من المخاطبين ، إلا أنهم لما صدر عنهم ما من شأنه أن يكون أثرا لهذا الإعتقاد ، وهو عزمهم على ترك نصرة الدين والاستسلام للعدو كانوا أحرياء بأن ينزلوا منزلة من يعتقد انتفاء خلو الرسل من قبله ، حيث يجدون أتباعهم ثابتين على مللهم حتى الآن فكان حال المخاطبين حال من يتوهم التلازم بين بقاء الملة وبقاء رسولها ، فيستدل بدوام الملة على دوام رسولها ، فإذا هلك رسول ملة ظنوا انتهاء شرعه وإبطال اتباعه .

فالقصر على هذا الوجه قصر قلب ، وهو قلب اعتقادهم لوازم ضد الصفة المقصور عليها ، وهي خلو الرسل قبله ، وتلك اللوازم هي الوهن والتردد في الاستمرار على نشر دعوة الإسلام ، وبهذا يشعر كلام صاحب ( الكشاف ) .

وجعل السكاكي المقصور عليه هو وصف الرسالة فيكون محط القصر هو قوله : ( رسول ) دون قوله : ﴿ قد خلت من قبله الرسل ﴾ ويكون القصر قصر إفراد بتنزيل المخاطبين منزلة من اعتقد وصفه بالرسالة مع التنزه عن الهلاك ، حين رتبوا على ظن موته ظنونا لا يفرضها إلا من يعتقد عصمته من الموت ، ويكون قوله : ﴿ قد خلت من قبله الرسل ﴾ على هذا الوجه استئنافا لا صفة ، وهو بعيد ، لأن المخاطبين لم يصدر منهم ما يقتضي استبعاد خبر موته ، بل هم ظنوه صدقا .

وعلى كلا الوجهين فقد نزل المخاطبون منزلة من يجهل قصر الموصوف على هذه الصفة وينكره ، فلذلك خوطبوا بطريق النفي والاستثناء ، الذي كثر استعماله في خطاب من يجهل الحكم المقصور عليه وينكره دون طريق ، إنما كما بينه صاحب ( المفتاح ) .

وقوله : ﴿ أفإين مات أو قتل اتقلبتم على أعقابكم ﴾ عطف على قوله : ﴿ وما محمد إلا رسول ﴾ إلخ . . . والفاء لتعقيب مضمون الجملة المعطوف عليها بمضمون الجملة المعطوفة ، ولما كان مضمون الجملة المعطوفة إنشاء الاستفهام الإنكاري على مضمونها ، وهو الشرط وجزاؤه ، لم يكن للتعقيب المفاد من فاء العطف

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٤ · الصفحة ١١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٤ · ص ١١١