تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والاستفهام المقدر بعد ( أم ) مستعمل في التغليط والنهي ، ولذلك جاء ب ( أم ) للدلالة على التغليط : أي لا تحسبوا أن تدخلوا الجنة دون أن تجاهدوا وتصبروا على عواقب الجهاد .

ومن المفسرين من قدر ل ( أم ) هنا معادلا محذوفا ، وجعلها متصلة ، فنقل الفخر عن أبي مسلم الأصفهاني أنه قال : عادة العرب يأتون بهذا الجنس من الاستفهام توكيدا لأنه لما قال : ﴿ ولا تهنوا ولا تحزنوا ﴾ ( آل عمران : 139 ) كأنه قال : أفتعلمون أن ذلك كما تؤمرون أم حسبتم أن تدخلوا الجنة .

وجملة ﴿ ولما يعلم الله ﴾ إلخ في موضع الحال ، وهي مصب الإنكار ، أي لا تحسبوا أن تدخلوا الجنة حين لا يعلم الله الذين جاهدوا .

و ( لما ) حرف نفي أخت ( لم ) إلا أنها أشد نفيا من ( لم ) ، لأن ( لم ) لنفي قول القائل فعل فلان ، و ( لما ) لنفي قوله قد فعل فلان . قاله سيبويه ، كما قال : إن ( لا ) لنفي يفعل و ( لن ) لنفي سيفعل و ( ما ) لنفي لقد فعل و ( لا ) لنفي هو يفعل . فتدل ( لما ) على اتصال النفي بها إلى زمن التكلم ، بخلاف ( لم ) ، ومن هذه الدلالة استفيدت دلالة أخرى وهي أنها تؤذن بأن المنفي بها مترقب الثبوت فيما يستقبل ، لأنها قائمة مقام قولك استمر النفي إلى الآن ، وإلى هذا ذهب الزمخشري هنا فقال : و ( لما ) بمعنى ( لم ) إلا أن فيها ضربا من التوقع وقال في قوله تعالى : { ولما يدخل الإيمان في قلوبكم سورة الحجرات ( 14 ) : فيه دلالة على أن الأعراب آمنوا فيما بعد .

والقول في علم الله تقدم آنفا في الآية قبل هذه .

وأريد بحالة نفي علم الله بالذين جاهدوا والصابرين الكناية عن حالة نفي الجهاد والصبر عنهم ، لأن الله إذا علم شيئا فذلك المعلوم محقق الوقوع فكما كنى بعلم الله عن التحقق في قوله : وليعلم الله الذين آمنوا } ( آل عمران : 140 ) كنى بنفي العلم عن نفي الوقوع . وشرط الكناية هنا متوفر وهو جواز إرادة المعنى الملزوم مع المعنى اللازم لجواز إرادة انتفاء علم الله بجهادهم مع إرادة انتفاء

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٤ · الصفحة ١٠٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٤ · ص ١٠٦