تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تزكية أنفسهم ، واعتبارا بمواعظ الله تعالى ، وجعله للكافرين هلاكا ، لأن ما أصابهم في بدر تناسوه ، وما انتصروه في أحد يزيدهم ثقة بأنفسهم فيتواكلون ؛ يظنون المسلمين قد ذهب بأسهم ، على أن المؤمنين في ازدياد ، فلا ينقصهم من قتل منهم ، والكفار في تناقض فمن ذهب منهم نفد . وكذلك شأن المواعظ والنذر والعبر قد تكسب بعض النفوس كمالا وبعضها نقصا قال أبو الطيب :

فحب الجبان العيش أورده التقى

وحب الشجاع العيش أورده الحربا

ويختلف القصدان والفعل واحد

إلى أن نرى إحسان هذا لنا ذنبا

وقال تعالى : ﴿ وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم ﴾ ( التوبة : 124 ، 125 ) ، وقال : ﴿ وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا ﴾ ( الإسراء : 82 ) وهذا من بديع تقدير الله تعالى .

| 2 ( 142 ) ﴿ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين ﴾ . ) 2

﴿ أم ﴾ هنا منقطعة ، هي بمعنى ( بل ) الانتقالية ، لأن هذا الكلام انتقال من غرض إلى آخر ، وهي إذا استعملت منقطعة تؤذن بأن ما بعدها استفهام ، لملازمتها للاستفهام ، حتى قال الزمخشري والمحققون : إنها لا تفارق الدلالة على الاستفهام بعدها ، وقال غيره : ذلك هو الغالب وقد تفارقه ، واستشهدوا على مفارقتها للاستفهام بشواهد تقبل التأويل .

فقوله : ﴿ أم حسبتم ﴾ عطف على جملة ﴿ ولا تهنوا ﴾ ( آل عمران : 139 ) وذلك أنهم لما مسهم القرح فحزنوا واعتراهم الوهن حيث لم يشاهدوا مثل النصر الذي شاهدوه يوم بدر ، بين الله أن لا وجه للوهن للعلل التي تقدمت ، ثم بين لهم هنا : أن دخول الجنة الذي هو مرغوبهم لا يحصل إذا لم يبذلوا نفوسهم في نصر الدين فإذا حسبوا دخول الجنة يحصل دون ذلك ، فقد أخطأوا .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٤ · الصفحة ١٠٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٤ · ص ١٠٥