وإن إطالة ذكر تلك الجمل تشويق للجواب الواقع بعدها بقوله : ﴿ علمت نفس ما أحضرت ﴾ .
وجملة : ﴿ علمت نفس ما أحضرت ﴾ يتنازع التعلق به كلمات ﴿ إذا ﴾ المتكررة .
وعن عمر بن الخطاب : ( أنه قرأ أول هذه السورة فلما بلغ ﴿ علمت نفس ما أحضرت ﴾ قال : لهذا أجريت القصة ) أي هو جواب القسم ومعنى ﴿ علمت ﴾ أنها تعلم بما أحضرت فتعلمه .
وقوله ﴿ نفس ﴾ نكرة في سياق الشرط مراد بها العموم ، أي علمت كل نفس ما أحضرت ، واستفادة العموم من النكرة في سياق الإثبات تحصل من القرينة الدالة على عدم القصد إلى واحد من الجنس ، والقرينة هنا وقوع لفظ نفس في جواب هذه الشروط التي لا يخطر بالبال أن تكون شروطا لشخص واحد ، وقد
قال تعالى : ﴿ يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء ﴾ ( آل عمران : 30 ) .
والإحضار : جعل الشيء حاضرا .
ومعنى : ﴿ علمت نفس ما أحضرت ﴾ حصول اليقين بما لم يكن لها به علم من حقائق الأعمال التي كان علمها بها أشتاتا : بعضه معلوم على غير وجهه ، وبعضه معلوم صورته مجهولة عواقبه ، وبعضه مغفول عنه . فنزل العلم الذي كان حاصلا للناس في الحياة الدنيا منزلة عدم العلم ، وأثبت العلم لهم في ذلك اليوم علم أعمالهم من خير أو شر فيعلم ما لم يكن له به علم مما يحقره من أعماله ويتذكر ما كان قد علمه من قبل ، وتذكر المنسي والمغفول عنه نوع من العلم .
وما أحضرته هو ما أسلفته من الأعمال . ولما كانت الأعمال تظهر آثارها من ثواب وعقاب يومئذ عبر عن ظهور آثارها بالإحضار لشببه به كما يحضر الزاد للمسافر ففي فعل : ﴿ أحضرت ﴾ استعارة . ويطلق على ذلك الإعداد كقول النبي صلى الله عليه وسلم للذي سأله متى الساعة : ( ماذا أعددت لها ) .
وأسند الإحضار إلى النفوس لأنها الفاعلة للأعمال التي يظهر جزاؤها يومئذ فهذا الإسناد من إسناد فعل الشيء إلى سبب فعله ، فحصل هنا مجازان : مجاز لغوي ، ومجاز عقلي ، وحقيقتهما في قوله تعالى : ﴿ يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء ﴾ .
وجعلت معرفة النفوس لجزاء أعمالها حاصلة عند حصول مجموع الشروط التي ذكرت في الجمل الثنتي عشرة لأن بعض الأحوال التي تضمنتها الشروط مقارن لحصول علم النفوس بأعمالها وهي الأحوال الستة المذكورة أخيرا ، وبعض الأحوال حاصل من قبل بقليل وهي الأحوال الستة المذكورة أولا . فنزل القريب منزلة المقارن ، فلذلك جعل الجميع شروطا ل ﴿ إذا ﴾ .
( 15 21 ) ﴿ ﴾
الفاء لتفريع القسم وجوابه على الكلام السابق للإشارة إلى ما تقدم من الكلام هو بمنزلة التمهيد لما بعد الفاء فإن الكلام السابق أفاد تحقيق وقوع البعث والجزاء وهم قد أنكروه وكذبوا القرآن الذي أنذرهم به ، فلما قضي حق الإنذار به وذكر أشراطه فرع عنه تصديق القرآن الذي أنذرهم به وأنه موحى به من عند الله .
فالتفريع هنا تفريع معنى وتفريع ذكر معا ، وقد جاء تفريع القسم لمجرد تفريع ذكر كلام على كلام آخر كقول زهير :
فأقسمت بالبيت الذي طاف حوله
رجال بنوه من قريش وجرهم
عقب نسيب معلقته الذي لا يتفرع عن معانيه ما بعد القسم وإنما قصد به أن ما تقدم من الكلام إنما هو للإقبال على ما بعد الفاء ، وبذلك يظهر تفوق التفريع الذي في هذه الآية على تفريع بيت زهير .
ومعنى : ( لا أقسم ) : إيقاع القسم ، وقد عدت ( لا ) زائدة ، وتقدم عند قوله تعالى : ﴿ فلا أقسم بمواقع النجوم ﴾ في سورة الواقعة .
والقسم مراد به تأكيد الخبر وتحقيقه ، وأدمج فيه أوصاف الأشياء المقسم بها للدلالة على تمام قدرة الله تعالى .
و ( الخنس ) : جمع خانسة ، وهي التي تخنس ، أي تختفي ، يقال : خنست البقرة والظبية ، إذا اختفت في الكناس .
و ( الجواري ) : جمع جارية ، وهي التي تجري ، أي تسير سيرا حثيثا .