جادت عليه كل بكر حرة
فتركن كل قرارة كالدرهم
فأطلق على السحابة الكثيرة الماء اسم البكر الحرة ، أي الأصيلة من النوق وهي في حملها الأول .
ومعنى تعطيل الأسحبة أن يعرض لها ما يحبس مطرها عن النزول ، أو معناه أن الأسحبة الثقال لا تتجمع ولا تحمل ماء ، فمعنى تعطيلها تكونها ، فيتوالى القحط
على الأرض فيهلك الناس والأنعام . وعلى هذا الوجه فذلك من أشراط الساعة العلوية فيناسب تكوير الشمس وانكدار النجوم .
و ﴿ الوحوش ﴾ : جمع وحش وهو الحيوان البري غير المتأنس بالناس .
وحشرها : جمعها في مكان واحد ، أي مكان من الأرض عند اقتراب فناء العالم فقد يكون سبب حشرها طوفانا يغمر الأرض من فيضان البحار فكلما غمر جزءا من الأرض فرت وحوشه حتى تجتمع في مكان واحد طالبة النجاة من الهلاك ، ويشعر بهذا عطف ﴿ وإذا البحار سجرت ﴾ عليه .
وذكر هذا بالنسبة إلى الوحوش إيماء إلى شدة الهول فالوحوش التي من طبعها نفرة بعضها عن بعض تتجمع في مكان واحد لا يعدو شيء منها على الآخر من شدة الرعب ، فهي ذاهلة عما في طبعها من الاعتداء والافتراس ، وليس هذا الحشر الذي يحشر الناس به للحساب بل هذا حشر في الدنيا وهو المناسب لما عد معه من الأشراط ، وروي معناه عن أبي بن كعب .
وتسجير البحار : فيضانها قال تعالى : ﴿ والبحر المسجور ﴾ في سورة الطور . والمراد تجاوز مياهها معدل سطوحها واختلاط بعضها ببعض وذلك من آثار اختلال قوة كرة الهواء التي كانت ضاغطة عليها ، وقد وقع في آية سورة الانفطار : ﴿ وإذا البحار فجرت ﴾ وإذا حدث ذلك اختلط ماؤها برملها فتغير لونه .
يقال : سجر مضاعفا وسجر مخففا . وقرىء بهما فقرأه الجمهور مشددا . وقرأه ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب مخففا .
وقوله تعالى : ﴿ وإذا النفوس زوجت ﴾ شروع في ذكر الأحوال الحاصلة في الآخرة يوم القيامة وقد انتقل إلى ذكرها لأنها تحصل عقب الستة التي قبلها وابتدىء بأولها وهو تزويج النفوس ، والتزويج : جعل الشيء زوجا لغيره بعد أن كان كلاهما فردا ، والتزويج أيضا : جعل الأشياء أنواعا متماثلة قال تعالى : ﴿ ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين ﴾ ( الرعد : 3 ) لأن الزوج يطلق على النوع والصنف من الأشياء والنفوس : جمع نفس ، والنفس يطلق على الروح ، قال تعالى : ﴿ يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك ﴾ ( الفجر : 27 ، 28 ) وقال : ﴿ أخرجوا أنفسكم ﴾ ( الأنعام : 93 ) .
وتطلق النفس على ذات الإنسان قال تعالى : ﴿ ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ﴾ ( الأنعام : 151 ) وقال : ﴿ هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم ﴾ ( الجمعة : 2 ) وقال : ﴿ فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم ﴾ ( النور : 61 ) أي فليسلم الداخل على أمثاله من الناس .
فيجوز أن يكون معنى النفوس هنا الأرواح ، أي تزوج الأرواح بالأجساد المخصصة لها فيصير الروح زوجا مع الجسد بعد أن كان فردا لا جسم له في برزخ الأرواح ، وكانت الأجساد بدون أرواح حين يعاد خلقها ، أي وإذا أعطيت الأرواح للأجساد . وهذا هو البعث وهوالمعنى المتبادر أولا ، وروي عن عكرمة .
ويجوز أن يكون المعنى وإذا الأشخاص نوعت وصنفت فجعلت أصنافا : المؤمنون ، والصالحون ، والكفار ، والفجار ، قال تعالى : ﴿ وكنتم أزواجا ثلاثة فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة والسابقون ﴾ ( الواقعة : 7 10 ) الآية .
ولعل قصد إفادة هذا التركيب لهاذين المعنيين هو مقتضي العدول عن ذكر ما زوجت النفوس به . وأول منازل البعث اقتران الأرواح بأجسادها ، ثم تقسيم الناس إلى مراتبهم للحشر ، كما قال تعالى : ﴿ ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون ﴾ ( الزمر : 68 ) ثم قال : ﴿ وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا ﴾ ( الزمر : 71 ) ثم قال : ﴿ وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا ﴾ ( الزمر : 73 ) الآية .