تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الافتتاح ب ﴿ ذا ﴾ افتتاح مشوق لأن ﴿ إذا ﴾ ظرف يستدعي متعلقا ، ولأنه أيضا شرط يؤذن بذكر جواب بعده ، فإذا سمعه السامع ترقب ما سيأتي بعده فعند ما يسمعه يتمكن من نفسه كمال تمكن ، وخاصة بالإطناب بتكرير كلمة ﴿ إذا ﴾ .

وتعدد الجمل التي أضيف إليها اثنتي عشرة مرة ، فإعادة كلمة ﴿ إذا ﴾ بعد واو العطف في هذه الجمل المتعاطفة إطناب ، وهذا الإطناب اقتضاه قصد التهويل ، والتهويل من مقتضيات الإطناب والتكرير ، كما في قصيدة الحارث بن عباد البكري :

قربا مربط النعامة مني الخ

وفي إعادة ﴿ إذا ﴾ إشارة إلى أن مضمون كل جملة من هذه الجمل الثنتي عشرة مستقل بحصول مضمون جملة الجواب عند حصوله بقطع النظر عن تفاوت زمان حصول الشروط فإن زمن سؤال الموءودة ونشر الصحف أقرب لعلم النفوس بما أحضرت أقرب من زمان تكوير الشمس وما عطف عليه مما يحصل قبل البعث .

وقد ذكر في هذه الآيات اثنا عشر حدثا فستة منها تحصل في آخر الحياة الدنيوية ، وستة منها تحصل في الآخرة .

وكانت الجمل التي جعلت شروطا ل ﴿ إذا ﴾ في هذه الآية مفتتحة بالمسند إليه المخبر عنه بمسند فعلي دون كونها جملا فعلية ودون تقدير أفعال محذوفة تفسرها الأفعال المذكورة وذلك يؤيد قول نحاة الكوفة بجواز وقوع شرط ﴿ إذا ﴾ جملة غير فعلية وهو الراجع لأن ﴿ إذا ﴾ غير عريقة في الشرط . وهذا الأسلوب لقصد الاهتمام بذكر ما أسندت إليه الأفعال التي يغلب أن تكون شروطا ل ﴿ إذا ﴾ لأن الابتداء بها أدخل في التهويل والتشويق وليفيد ذلك التقديم على المسند الفعلي تقوي الحكم وتأكيده في جميع تلك الجمل ردا على إنكار منكريه فلذلك قيل : ﴿ إذا الشمس كورت ﴾ ولم يقل : إذا كورت الشمس ، وهكذا نظائره .

وجواب الشروط الاثني عشر هو قوله : ﴿ علمت نفس ما أحضرت ﴾ وتتعلق به الظروف المشربة معنى الشرط .

وصيغة الماضي في الجمل الثنتي عشرة الواردة شروطا ل ﴿ إذا ﴾ مستعملة في معنى الاستقبال تنبيها على تحقق وقوع الشرط .

وتكوير الشمس : فساد جرمها لتداخل ظاهرها في باطنها بحيث يختل تركيبها فيختل لاختلاله نظام سيرها ، من قولهم : كور العمامة ، إذا أدخل بعضها في بعض ولفها ، وقريب من هذا الإطلاق إطلاق الطي في قوله تعالى : ﴿ يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب ﴾ ( الأنبياء : 104 ) .

وفسر ﴿ كورت ﴾ بمعنى غورت . رواه الطبري عن ابن جبير وقال : هي كلمة معربة عن الفارسية وأن أصلها بالفارسية كور بكر ( بضم الكاف الأولى وسكون الراء الأخيرة ) وعلى ذلك عدت هذه الكلمة مما وقع في القرآن من المعرب . وقد عدها ابن السبكي في نظمه الكلمات المعربة في القرآن .

وإذا زال ضوء الشمس انكدرت النجوم لأن معظمها يستنير من انعكاس نور الشمس عليها .

والانكدار : مطاوع كدره المضاعف على غير قياس ، أي حصل للنجوم

انكدار من تكدير الشمس لها حين زال عنها انعكاس نورها ، فلذلك ذكر مطاوع كدر دون ذكر فاعل التكدير .

والكدرة : ضد الصفاء كتغير لون الماء ونحوه .

وفسر الانكدار بالتساقط والانقضاض ، وأنشدوا قول العجاج يصف بازيا :

أبصر خربان فضاء فانكدر

ومعنى تساقطها تساقط بعضها على بعض واصطدامها بسبب اختلال نظام الجاذبية الذي جعله الله لإمساكها إلى أمد معلوم .

وتسيير الجبال انتقالها من أماكنها بارتجاج الأرض وزلزالها . وتقدم في سورة النبأ .

و ﴿ العشار ﴾ جمع عشراء وهي الناقة الحامل إذا بلغت عشرة أشهر لحملها فقاربت أن تضع حملها لأن النوق تحمل عاما كاملا ، و ﴿ العشار ﴾ أنفس مكاسب العرب ومعنى ﴿ عطلت ﴾ تركت لا ينتفع بها .

والكلام كناية عن ترك الناس أعمالهم لشدة الهول .

وعلى هذا الوجه يكون ذلك من أشراط الساعة في الأرض فيناسب ﴿ وإذا الوحوش حشرت ﴾ .

ويجوز أن تكون ﴿ العشار ﴾ مستعارة للأسحبة المحملة بالمطر ، شبهت بالناقة العشراء . وهذا غير بعيد من الاستعمال ، فهم يطلقون مثل هذه الاستعارة للسحاب ، كما أطلقوا على السحابة اسم بكر في قول عنترة :

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٣٠ · الصفحة ٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٣٠ · ص ٨١