تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وضمير ﴿ إنها ﴾ عائد إلى الدعوة التي تضمنها قوله : ﴿ فأنت له تصدى ﴾ ( عبس : 6 ) .

ويجوز أن يكون المعنى : أن هذه الموعظة تذكرة لك وتنبيه لما غفلت عنه وليست ملاما وإنما يعاتب الحبيب حبيبه .

ويجوز عندي أن يكون ﴿ كلا إنها تذكرة ﴾ استئنافا ابتدائيا موجها إلى من كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعوه قبيل نزول السورة فإنه كان يعرض القرآن على الوليد بن المغيرة ومن معه ، وكانوا لا يستجيبون إلى ما دعاهم ولا يصدقون بالبعث ، فتكون ( كلا ) إبطالا لما نعتوا به القرآن من أنه أساطير الأولين أو نحو ذلك .

فيكون ضمير ﴿ إنها تذكرة ﴾ عائدا إلى الآيات التي قرأها النبي صلى الله عليه وسلم عليهم في ذلك المجلس ثم أعيد عليها الضمير بالتذكير للتنبيه على أن المراد آيات القرآن .

ويؤيد هذا الوجه قوله تعالى عقبه : ﴿ قتل الإنسان ما أكفره ﴾ ( عبس : 17 ) الآيات حيث ساق لهم أدلة إثبات البعث .

فكان تأنيث الضمير نكتة خصوصية لتحميل الكلام هذه المعاني .

والضمير الظاهر في قوله : ﴿ ذكره ﴾ يجوز أن يعود إلى ﴿ تذكرة ﴾ لأن ما صدقها القرآن الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يعرضه على صناديد قريش قبيل نزول هذه السورة ، أي فمن شاء ذكر القرآن وعمل به .

ويجوز أن يكون الضمير عائدا إلى الله تعالى فإن إعادة ضمير الغيبة على الله تعالى دون ذكر معاده في الكلام كثير في القرآن لأن شؤونه تعالى وأحكامه نزل القرآن لأجلها فهو ملحوظ لكل سامع للقرآن ، أي فمن شاء ذكر الله وتوخى مرضاته .

والذكر على كلا الوجهين : الذكر بالقلب ، وهو توخي الوقوف عند الأمر والنهي . وتعدية فعل ( ذكر ) إلى ذلك الضمير على الوجهين على حذف مضاف يناسب المقام .

والذي اقتضى الإتيان بالضمير وكونه ضمير مذكر مراعاة الفواصل وهي : ﴿ تذكره ، مطهره ، سفره ، برره ﴾ .

وجملة : ﴿ فمن شاء ذكره ﴾ معترضة بين قوله : ﴿ تذكرة ﴾ وقوله : ﴿ في صحف ﴾ .

والفاء لتفريع مضمون الجملة على جملة ﴿ إنها تذكرة ﴾ فإن الجملة المعترضة تقترن بالفاء إذا كان معنى الفاء قائما ، فالفاء من جملة الاعتراض ، أي هي تذكرة لك بالأصالة وينتفع بها من شاء أن يتذكر على حسب استعداده ، أي يتذكر بها كل مسلم كقوله تعالى : ﴿ وإنه لذكر لك ولقومك ﴾ ( الزخرف : 44 ) .

وفي قوله : ﴿ فمن شاء ذكره ﴾ تعريض بأن موعظة القرآن نافعة لكل أحد تجرد عن العناد والمكابرة ، فمن لم يتعظ بها فلأنه لم يشأ أن يتعظ . وهذا كقوله تعالى : ﴿ إنما أنت منذر من يخشاها ﴾ ( النازعات : 45 ) وقوله : ﴿ لمن شاء منكم أن يستقيم ﴾ ( التكوير : 28 ) وقوله : ﴿ وإنه لتذكرة للمتقين ﴾ ( الحاقة : 48 ) ونحوه كثير ، وقد تقدم قريب منه في قوله تعالى : { فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا في سورة الإنسان .

والتذكرة : اسم لما يتذكر به الشيء إذا نسي . قال الراغب : وهي أعم من الدلالة والأمارة قال تعالى : فما لهم عن التذكرة معرضين . وتقدم نظيره في سورة المدثر .

وكل من تذكرة } و ﴿ ذكره ﴾ هو من الذكر القلبي الذي مصدره بضم الدال في الغالب ، أي فمن شاء عمل به ولا ينسه .

والصحف : جمع صحيفة ، وهي قطعة من أديم أو ورق أو خرقة يكتب فيها الكتاب ، وقياس جمعها صحائف ، وأما جمعها على صحف فمخالف للقياس ، وهو الأفصح ولم يرد في القرآن إلا صحف ، وسيأتي في سورة الأعلى ، وتطلق الصحيفة على ما يكتب فيه .

و ﴿ مطهرة ﴾ اسم مفعول من طهره إذا نظفه . والمراد هنا : الطهارة المجازية وهي الشرف ، فيجوز أن يحمل الصحف على حقيقته فتكون أوصافها ب ﴿ مكرمة ، مرفوعة ، مطهرة ﴾ محمولة على المعاني المجازية وهي معاني الاعتناء بها كما قال تعالى : ﴿ قالت يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم ﴾ ( النمل : 29 ) . وتشريفها كما قال تعالى : ﴿ إن كتاب الأبرار لفي عليين ﴾ ( المطففين : 18 ) وقدسية معانيها كما قال تعالى : ﴿ ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم ﴾ ( البقرة : 129 ) ، وكان المراد بالصحف الأشياء التي كتب فيها القرآن من رقوق وقراطيس ، وأكتاف ، ولخاف ، وجريد .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٣٠ · الصفحة ٦٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٣٠ · ص ٦٩