تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذا ما لاح لي في تفسير هذه الآيات تأصيلا وتفصيلا ، وهو بناء على أساس ما سبق إليه المفسرون من جعلهم مناط العتاب مجموع ما في القصة من الإعراض عن إرشاد ابن أم مكتوم ، ومن العبوس له ، والتولي عنه ، ومن التصدي القوي لدعوة المشرك والإقبال عليه .

والأظهر عندي أن مناط العتاب الذي تؤتيه لهجة الآية والذي روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ثبوته من كثرة ما يقول لابن أم مكتوم : ( مرحبا بمن عاتبني ربي لأجله ) إنما هو عتاب على العبوس والتولي ، لا على ما حف بذلك من المبادرة بدعوة ، وتأخير إرشاد ، لأن ما سلكه النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الحادثة من سبيل الإرشاد لا يستدعي عتابا إذ ما سلك إلا سبيل الاجتهاد القويم لأن المقام الذي أقيمت فيه هذه الحادثة تقاضاه إرشادانن لا محيص من تقديم أحدهما على الآخر ، هما : إرشاد كافر إلى الإسلام عساه أن يسلم ، وإرشاد مؤمن إلى شعب الإسلام عساه أن يزداد تزكية .

وليس في حال المؤمن ما يفيت إيمانا وليس في تأخير إرشاده على نية التفرغ إليه بعد حين ما يناكد زيادة صلاحه فإن زيادة صلاحه مستمرة على ممر الأيام .

ومن القواعد المستقراة من تصاريف الشريعة والشاهدة بها العقول السليمة تقديم درء المفاسد على جلب المصالح ، ونفي الضر الأكبر قبل نفي الضر الأصغر ، فلم يسلك النبي صلى الله عليه وسلم إلا مسلك الاجتهاد المأمور به فيما لم يوح إليه فيه . وهو داخل تحت قوله تعالى لعموم الأمة : ﴿ فاتقوا الله ما استطعتم ﴾ ( التغابن : 16 ) وهو القائل : ( إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع . فمن قضيت له بحق أخيه فلا يأخذه فإنما اقتطع له قطعة من نار ) ، وهو القائل : ( أمرت أن أحكم بالظاهر والله يتولى السرائر ) وهو حديث صحيح المعنى وإن كان في إسناده تردد . فلا قبل له بعلم المغيبات إلا أن يطلعه الله على شيء منها ، فلا يعلم أن هذا المشرك مضمر الكفر والعناد وأن الله يعلم أنه لا يؤمن ولا أن لذلك المؤمن في ذلك صفاء نفس وإشراق قلب لا يتهيآن له في كل وقت .

وبذلك يستبين أن ما أوحى الله به إلى نبيئه صلى الله عليه وسلم في هذه السورة هو وحي له بأمر كان مغيبا عنه حين أقبل على دعوة المشرك وأرجأ إرشاد المؤمن . وليس في ظاهر حالهما ما يؤذن بباطنه وما أظهر الله فيها غيب علمه إلا لإظهار مزية مؤمن راسخ الإيمان وتسجيل كفر مشرك لا يرجى منه الإيمان ، مع ما في ذلك من تذكير النبي صلى الله عليه وسلم بما علمه الله من حسن أدبه مع المؤمنين ورفع شأنهم أمام المشركين . فمناط المعاتبة هو العبوس للمؤمن بحضرة المشرك الذي يستصغر أمثال ابن أم مكتوم ، فما وقع في خلال هذا العتاب من ذكر حال المؤمن والكافر إنما هو إدماج لأن في الحادثة فرصة من التنويه بسمو منزلة المؤمن لانطواء قلبه على أشعة تؤهله لأن يستنير بها ويفيضها على غيره جمعا بين المعاتبة والتعليم ، على سنن هدي القرآن في المناسبات .

( 11 16 ) ﴿ ﴾

.

إبطال وقد تقدم ذكر ( كلا ) في سورة مريم ( 79 82 ) ، وتقدم قريبا في سورة النبأ ( 4 ، 5 ) ، وهو هنا إبطال لما جرى في الكلام السابق ولو بالمفهوم كما في قوله : ﴿ وما يدريك لعله يزكى ﴾ ( عبس : 3 ) . ولو بالتعريض أيضا كما في قوله : ﴿ عبس وتولى ﴾ ( عبس : 1 ) .

وعلى التفسير الثاني المتقدم ينصرف الإبطال إلى ﴿ عبس وتولى ﴾ خاصة .

ويجوز أن يكون تأكيدا لقوله : ﴿ وما عليك ألا يزكى ﴾ ( عبس : 7 ) على التفسيرين ، أي لا تظن أنك مسؤول عن مكابرته وعناده فقد بلغت ما أمرت بتبليغه .

.

استئناف بعد حرف الإبطال ، وهو استئناف بياني لأن ما تقدم من العتاب ثم ما عقبه من الإبطال يثير في خاطر الرسول صلى الله عليه وسلم الحيرة في كيف يكون العمل في دعوة صناديد قريش إذا لم يتفرغ لهم لئلا ينفروا عن التدبر في القرآن ، أو يثير في نفسه مخافة أن يكون قصر في شيء من واجب التبليغ .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٣٠ · الصفحة ٦٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٣٠ · ص ٦٨