وحذف المتعلق بلفظ ﴿ أكفره ﴾ لظهوره من لفظ ( أكفر ) وتقديره : ما أكفره بالله .
وفي قوله : ﴿ قتل الإنسان ما أكفره ﴾ محسن الاتزان فإنه من بحر الرمل من عروضه الأولى المحذوفة .
وجملة ﴿ من أي شيء خلقه ﴾ بيان لجملة ﴿ قتل الإنسان ما أكفره ﴾ ، لأن مفاد هذه الجملة الاستدلال على إبطال إحالتهم البعث وذلك الإنكار من أكبر أصول كفرهم .
وجيء في هذا الاستدلال بصورة سؤال وجواب للتشويق إلى مضمونه ، ولذلك قرن الاستفهام بالجواب عنه على الطريقة المتقدمة في قوله تعالى : ﴿ عم يتساءلون عن النبأ العظيم ﴾ ( النبأ : 1 2 ) .
والاستفهام صوري ، وجعل المستفهم عنه تعيين الأمر الذي به خلق الإنسان لأن المقام هنا ليس لإثبات أن الله خلق الإنسان ، بل المقام لإثبات إمكان إعادة الخلق بتنظيره بالخلق الأول على طريقة قوله تعالى : ﴿ أفعيينا بالخلق الأول ﴾ ( ق : 15 ) أي كما كان خلق الإنسان أول مرة من نطفة يكون خلقه ثاني مرة من كائن ما ، ونظيره قوله تعالى : { فلينظر الإنسان مم خلق خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب إنه على رجعه لقادر في سورة الطارق ( 5 8 ) .
والضمير المستتر في قوله : خلقه } عائد إلى لله تعالى المعلوم من فعل الخلق لأن المشركين لم يكونوا ينكرون أن الله خالق الإنسان .
وقدم الجار والمجرور في قوله : ﴿ من نطفة خلقه ﴾ محاكاة لتقديم المبين في السؤال الذي اقتضى تقديمه كونه استفهاما يستحق صدر الكلام ، مع الاهتمام بتقديم ما منه الخلق ، لما في تقديمه من التنبيه للاستدلال على عظيم حكمة الله تعالى إذ كون أبدع مخلوقق معروف من أهون شيء وهو النطفة .
وإنما لم يستغن عن إعادة فعل خلقه في جملة الجواب مع العلم به بتقدم ذكر حاصله في السؤال لزيادة التنبيه على دقة ذلك الخلق البديع .
فذكر فعل ﴿ خلقه ﴾ الثاني من أسلوب المساواة ليس بإيجاز ، وليس بإطناب .
والنطفة : الماء القليل ، وهي فعلة بمعنى مفعولة كقولهم : قبضة حب ، وغرفة ماء . وغلب إطلاق النطفة على الماء الذي منه التناسل ، فذكرت النطفة لتعين ذكرها لأنها مادة خلق الحيوان للدلالة على أن صنع الله بديع فإمكان البعث حاصل ، وليس في ذكر النطفة هنا إيماء إلى تحقير أصل نشأة الإنسان لأن قصد ذلك محل نظر ، على أن المقام هنا للدلالة على خلقق عظيم وليس مقام زجر المتكبر .
وفرع على فعل ﴿ خلقه ﴾ فعل ﴿ فقدره ﴾ بفاء التفريع لأن التقدير هنا إيجاد الشيء على مقدار مضبوط منظم كقوله تعالى : ﴿ وخلق كل شيء فقدره تقديرا ﴾ ( الفرقان : 2 ) أي جعل التقدير من آثار الخلق لأنه خلقه متهيئا للنماء وما يلابسه من العقل والتصرف وتمكينه من النظر بعقله ، والأعمال التي يريد إتيانها وذلك حاصل مع خلقه مدرجا مفرعا .
وهذا التفريع وما عطف عليه إدماج للامتنان في خلال الاستدلال .
وحرف ﴿ ثم ﴾ من قوله : ﴿ ثم السبيل يسره ﴾ للتراخي الرتبي لأن تيسير سبيل العمل الإنساني أعجب في الدلالة على بديع صنع الله لأنه أثر العقل وهو أعظم ما في خلق الإنسان وهو أقوى في المنة .
و ﴿ السبيل ﴾ : الطريق ، وهو هنا مستعار لما يفعله الإنسان من أعماله وتصرفاته تشبيها للأعمال بطريق يمشي فيه الماشي تشبيه المحسوس بالمعقول .
ويجوز أن يكون مستعارا لمسقط المولود من بطن أمه فقد أطلق على ذلك الممر اسم السبيل في قولهم : ( السبيلان ) فيكون هذا من استعمال اللفظ في مجازيه . وفيه مناسبة لقوله بعده : ﴿ ثم أماته فأقبره ﴾ ، ف ﴿ أماته ﴾ مقابل ﴿ خلقه ﴾ و ﴿ أقبره ﴾ مقابل ﴿ ثم السبيل يسره ﴾ لأن الإقبار إدخال في الأرض وهو ضد خروج المولود إلى الأرض .
والتيسير : التسهيل ، و ﴿ السبيل ﴾ منصوب بفعل مضمر على طريق
الاشتغال ، والضمير عائد إلى ﴿ السبيل ﴾ . والتقدير : يسر السبيل له ، كقوله : ﴿ ولقد يسرنا القرآن للذكر ﴾ ( القمر : 17 ) أي لذكر الناس .