دواعيهم على التكذيب بالقرآن أنه أخبر عن البعث وطالبهم بالإيمان به كان الاستدلال على وقوع البعث أهم ما يعتنى به في هذا التذكير وذلك من أفنان قوله : ﴿ فمن شاء ذكره ﴾ ( عبس : 12 ) .
والذي عرف بقوله : ﴿ من استغنى ﴾ ( عبس : 5 ) يشمله العموم الذي أفاده تعريف ﴿ الإنسان ﴾ من قوله تعالى : ﴿ قتل الإنسان ما أكفره ﴾ .
وفعل قتل فلان أصله دعاء عليه بالقتل . والمفسرون الأولون جعلوا : ﴿ قتل الإنسان ﴾ أنه لعن ، رواه الضحاك عن ابن عباس وقاله مجاهد وقتادة وأبو مالك . قال في ( الكشاف ) : ( دعاء عليه وهذا من أشنع دعواتهم ) ، أي فمورده غير مورد قوله تعالى : ﴿ قاتلهم الله ﴾ ( التوبة : 30 ) وقولهم : قاتل الله فلانا يريدون التعجب من حاله ، وهذا أمر مرجعه للاستعمال ولا داعي إلى حمله على التعجيب لأن قوله : ﴿ ما أكفره ﴾ يغني عن ذلك .
والدعاء بالسوء من الله تعالى مستعمل في التحقير والتهديد لظهور أن حقيقة الدعاء لا تناسب الإلاهية لأن الله هو الذي يتوجه إليه الناس بالدعاء .
وبناء ﴿ قتل ﴾ للمجهول متفرع على استعماله في الدعاء ، إذ لا غرض في قاتل يقتله ، وكثر في القرآن مبنيا للمجهول نحو ﴿ فقتل كيف قدر ﴾ ( المدثر : 19 ) .
وتعريف ﴿ الإنسان ﴾ يجوز أن يكون التعريف المسمى تعريف الجنس فيفيد استغراق جميع أفراد الجنس ، وهو استغراق حقيقي ، وقد يراد به استغراق معظم الأفراد بحسب القرائن فتولد بصيغة الاستغراق ادعاء لعدم الاعتداد بالقليل من الأفراد ، ويسمى الاستغراق العرفي في اصطلاح علماء المعاني ، ويسمى العام المراد به الخصوص في اصطلاح علماء الأصول والقرينة هنا ما بين به كفر الإنسان من قوله : ﴿ من أي شيء خلقه ﴾ إلى قوله : ﴿ ثم إذا شاء أنشره ﴾ فيكون المراد من قوله : ﴿ الإنسان ﴾ المشركين المنكرين البعث ، وعلى ذلك جملة المفسرين ، فإن معظم العرب يومئذ كافرون بالبعث .
قال مجاهد : ما كان في القرآن ﴿ قتل الإنسان ﴾ فإنما عني به الكافر .
والأحكام التي يحكم بها على الأجناس يراد أنها غالبة على الجنس ، فالاستغراق
الذي يقتضيه تعريف لفظ الجنس المحكوم عليه استغراق عرفي معناه ثبوت الحكم للجنس على الجملة ، فلا يقتضي اتصاف جميع الأفراد به ، بل قد يخلو عنه بعض الأفراد وقد يخلو عنه المتصف به في بعض الأحيان ، فقوله : ﴿ ما أكفره ﴾ تعجيب من كفر جنس الإنسان أو شدة كفره وإن كان القليل منه غير كافر .
فآل معنى الإنسان إلى الكفار من هذا الجنس وهم الغالب على نوع الإنسان .
فغالب الناس كفروا بالله من أقدم عصور التاريخ وتفشى الكفر بين أفراد الإنسان وانتصروا له وناضلوا عنه . ولا أعجب من كفر من ألهوا أعجز الموجودات من حجارة وخشب ، أو نفوا أن يكون لهم رب خلقهم .
ويجوز أن يكون تعريف ﴿ الإنسان ﴾ تعريف العهد لشخص معين من الإنسان يعينه خبر سبب النزول ، فقيل : أريد به أمية بن خلف ، وكان ممن حواه المجلس الذي غشيه ابن أم مكتوم ، وعندي أن الأولى أن يكون أراد به الوليد بن المغيرة .
وعن ابن عباس أن المراد عتبة بن أبي لهب ، وذكر في ذلك قصة لا علاقة لها بخبر المجلس الذي غشيه ابن أم مكتوم ، فتكون الجملة مستأنفة استئنافا ابتدائيا ، والمناسبة ظاهرة .
وجملة ﴿ ما أكفره ﴾ تعليل لإنشاء الدعاء عليه دعاء التحقير والتهديد . وهذا تعجيب من شدة كفر هذا الإنسان .
ومعنى شدة الكفر أن كفره شديد كما وكيفا ، ومتى ، لأنه كفر بوحدانية الله ، وبقدرته على إعادة خلق الأجسام بعد الفناء ، وبإرساله الرسول ، وبالوحي إليه صلى الله عليه وسلم وأنه كفر قوي لأنه اعتقاد قوي لا يقبل التزحزح ، وأنه مستمر لا يقلع عنه مع تكرر التذكير والإنذار والتهديد .
وهذه الجملة بلغت نهاية الإيجاز وأرفع الجزالة بأسلوب غليظ دال على السخط بالغ حد المذمة ، جامع للملامة ، ولم يسمع مثلها قبلها ، فهي من جوامع الكلم القرآنية .