وهذا الحادث سبب نزول هذه الآيات من أولها إلى قوله : ﴿ بررة ﴾ ( عبس : 16 ) . وهو ما رواه مالك في ( الموطأ ) مرسلا عن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال : أنزلت ﴿ عبس وتولى ﴾ في ابن أم مكتوم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يقول : يا محمد استدنني ، وعند النبي صلى الله عليه وسلم رجل من عظماء المشركين فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يعرض عنه ( أي عن ابن أم مكتوم ) ويقبل على الآخر ، ويقول : يا أبا فلان هل ترى بما أقول بأسا فيقول : ( لا والدماء ما أرى بما تقول يأسا ) ، فأنزلت : ﴿ عبس وتولى ﴾ .
ورواه الترمذي مسندا عن عروة عن عائشة بقريب من هذا ، وقال الترمذي : هذا حديث حسن غريب .
وروى الطبري عن ابن عباس : ( أن ابن أم مكتوم جاء يستقرىء النبي صلى الله عليه وسلم آية من القرآن ومثله عن قتادة .
وقال الواحدي وغيره : ( كان النبي صلى الله عليه وسلم حينئذ يناجي عتبة بن ربيعة وأبا جهل ، والعباس بن عبد المطلب ، وأبي بن خلف ، وشيبة بن ربيعة ، والوليد بن المغيرة ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقبل على الوليد بن المغيرة يعرض عليهم الإسلام .
ولا خلاف في أن المراد ب ﴿ الأعمى ﴾ هو ابن أم مكتوم . قيل : اسمه عبد الله وقيل : اسمه عمرو ، وهو الذي اعتمده في ( الإصابة ) ، وهو ابن قيس بن زائدة من بني عامر بن لؤي من قريش .
وأمه عاتكة ، وكنيت أم مكتوم لأن ابنها عبد الله ولد أعمى والأعمى يكنى
عنه بمكتوم . ونسب إلى أمه لأنها أشرف بيتا من بيت أبيه لأن بني مخزوم من أهل بيوتات قريش فوق بني عامر بن لؤي . وهذا كما نسب عمرو بن المنذر ملك الحيرة إلى أمه هند بنت الحارث بن عمرو بن حجر آكل المرار زيادة في تشريفه بوراثة الملك من قبل أبيه وأمه .
ووقع في ( الكشاف ) : أن أم مكتوم هي أم أبيه . وقال الطيبي : إنه وهم ، وأسلم قديما وهاجر إلى المدينة قبل مقدم النبي صلى الله عليه وسلم إليها ، وتوفي بالقادسية في خلافة عمر بعد سنة أربع عشرة أو خمس عشرة .
وفيه نزلت هذه السورة وآية { غير أولي الضرر من سورة النساء .
وكان النبي يحبه ويكرمه وقد استخلفه على المدينة في خروجه إلى الغزوات ثلاث عشرة مرة ، وكان مؤذن النبي هو وبلال بن رباح .
والعبوس بضم العين : تقطيب الوجه وإظهار الغضب . ويقال : رجل عبوس بفتح العين ، أي متقطب ، قال تعالى : إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا } ( الإنسان : 10 ) . وعبس من باب ضرب .
والتولي : أصله تحول الذات عن مكانها ، ويستعار لعدم اشتغال المرء بكلام يلقى إليه أو جليس يحل عنده ، وهو هنا مستعار لعدم الاشتغال بسؤال سائل ولعدم الإقبال على الزائر .
وحذف متعلق ﴿ تولى ﴾ لظهور أنه تول عن الذي مجيئه كان سبب التولي .
وعبر عن ابن أم مكتوم ب ﴿ الأعمى ﴾ ترقيقا للنبيء صلى الله عليه وسلم ليكون العتاب ملحوظا فيه أنه لما كان صاحب ضرارة فهو أجدر بالعناية به ، لأن مثله يكون سريعا إلى انكسار خاطره .
و ﴿ أن جاءه الأعمى ﴾ مجرور بلام الجر محذوفف مع ﴿ أن ﴾ وهو حذف مطرد وهو متعلق بفعلي ﴿ عبس وتولى ﴾ على طريقة التنازع .
والعلم بالحادثة يدل على أن المراد مجيء خاص وأعمى معهود .
وصيغة الخبر مستعملة في العتاب على الغفلة عن المقصود الذي تضمنه الخبر
وهو اقتصار النبي صلى الله عليه وسلم على الاعتناء بالحرص على تبليغ الدعوة إلى من يرجو منه قبولها مع الذهول عن التأمل فيما يقارن ذلك من تعليم من يرغب في علم الدين ممن آمن ، ولما كان صدور ذلك من الله لنبيه صلى الله عليه وسلم لم يشأ الله أن يفاتحه بما يتبادر منه أنه المقصود بالكلام ، فوجهه إليه على أسلوب الغيبة ليكون أول ما يقرع سمعه باعثا على أن يترقب المعني من ضمير الغائب فلا يفاجئه العتاب ، وهذا تلطف من الله برسوله صلى الله عليه وسلم ليقع العتاب في نفسه مدرجا وذلك أهون وقعا ، ونظير هذا قوله : ﴿ عفا الله عنك لم أذنت لهم ﴾ ( التوبة : 43 ) .