تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأفادت ﴿ إنما ﴾ قصر المخاطب على صفة الإنذار ، أي تخصيصه بحال الإنذار وهو قصر موصوف على صفة فهو قصر إضافي ، أي بالنسبة إلى ما اعتقدوه فيه بما دل عليه إلحافهم في السؤال من كونه مطلعا على الغيب .

وقوله : ﴿ منذر من يخشاها ﴾ قرأه الجمهور بإضافة ﴿ منذر ﴾ إلى ﴿ من يخشاها ﴾ . وقرأه أبو جعفر بتنوين ﴿ منذر ﴾ على أن ﴿ من يخشاها ﴾ مفعوله .

وفي إضافة ﴿ منذر ﴾ إلى ﴿ من يخشاها ﴾ أو نصبه به إيجاز حذف تقديره : منذرها فينتذر من يخشاها ، وقرينة ذلك حالية للعلم المتواتر من القرآن بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينذر جميع الناس لا يخص قوما دون آخرين فإن آيات الدعوة من القرآن ومقامات دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن إلا عامة . ولا يعرف من يخشى الساعة إلا بعد أن يؤمن المؤمن ولو عرف أحد بعينه أنه لا يؤمن أبدا لما وجهت إليه الدعوة ، فتعين أن المراد : أنه لا ينتفع بالإنذار إلا من يخشى الساعة ومن عداه تمر الدعوة بسمعه فلا يأبه بها ، فكان ذكر ﴿ من يخشاها ﴾ تنويها بشأن المؤمنين وإعلانا لمزيتهم وتحقيرا للذين بقوا على الكفر قال تعالى : ﴿ وما أنت بمسمع من في القبور إن أنت إلا نذير ﴾ ( فاطر : 22 ، 23 ) .

وعلى هذا القانون يفهم لماذا وجه الخطاب بالإيمان إلى ناس قد علم الله أنهم لا يؤمنون ، وكشف الواقع على أنهم هلكوا ولم يؤمنوا مثل صناديد قريش أصحاب القليب قليبب بدر مثل أبي جهل والوليد بن المغيرة ، ولماذا وجه الخطاب بطلب التقوى ممن علم الله أنه لا يتقي مثل دعار العرب الذين أسلموا ولم يتركوا العدوان والفواحش ، ومثل أهل الردة الذين لم يكفروا منهم ولكنهم أصروا على منع الزكاة

وقاتلهم أبو بكر رضي الله عنه ، فمن مات منهم في ذلك فهو ممن لم يتق الله لأن ما في علم الله لا يبلغ الناس إلى علمه ولا تظهر نهايته إلا بعد الموت وهي المسألة المعروفة عند المتكلمين من أصحابنا بمسألة الموافاة .

جواب عما تضمنه قوله : ﴿ يسئلونك على الساعة أيان مرساها ﴾ ( النازعات : 42 ) باعتبار ظاهر حال السؤال من طلب المعرفة بوقت حلول الساعة واستبطاء وقوعها الذي يرمون به إلى تكذيب وقوعها ، فأجيبوا على طريقة الأسلوب الحكيم ، أي إن طال تأخر حصولها فإنها واقعة وأنهم يوم وقوعها كأنه ما لبثوا في انتظار إلا بعض يوم .

والعشية : معبر بها عن مدة يسيرة من زمان طويل على طريقة التشبيه ، وهو مستفاد من ﴿ كأنهم ﴾ ، فهو تشبيه حالهم بحالة من لم يلبث إلا عشية ، وهذا التشبيه مقصود منه تقريب معنى المشبه من المتعارف .

وقوله : ﴿ أو ضحاها ﴾ تخيير في التشبيه على نحو قوله تعالى : ﴿ أو كصيب من السماء ﴾ في سورة البقرة . وفي هذا العطف زيادة في تقليل المدة لأن حصة الضحى أقصر من حصة العشية .

وإضافة ( ضحى ) إلى ضمير ( العشية ) جرى على استعمال عربي شائع في كلامهم . قال الفراء : أضيف الضحى إلى العشية ، وهو اليوم الذي يكون فيه على عادة العرب يقولون : آتيك الغداة أو عشيتها ، وآتيك العشية أو غداتها ، وأنشدني بعض بني عقيل :

نحن صبحنا عامرا في دارها

جردا تعادى طرفي نهارها

عشية الهلال أو سرارها

أراد عشية الهلال أو عشية سرار العشية : فهو أشد من : آتيك الغداة أو عشيتها ا ه .

ومسوغ الإضافة أن الضحى أسبق من العشية إذ لا تقع عشية إلا بعد مرور ضحى ، فصار ضحى ذلك اليوم يعرف بالإضافة إلى عشية اليوم لأن العشية

أقرب إلى علم الناس لأنهم يكونون في العشية بعد أن كانوا في الضحى ، فالعشية أقرب والضحى أسبق .

وفي هذه الإضافة أيضا رعاية على الفواصل التي هي على حرف الهاء المفتوحة من ﴿ أيان مرساها ﴾ .

وبانتهاء هاته السورة انتهت سور طوال المفصل التي مبدؤها سورة الحجرات .

| 1 ( سورة عبس ) 1

سميت هذه الصورة في المصاحف وكتب التفسير وكتب السنة ( سورة عبس ) .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٣٠ · الصفحة ٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٣٠ · ص ٤٤