تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتبريز الجحيم : إظهارها لأهلها . وجيء بالفعل المضاعف لإفادة إظهار الجحيم لأنه إظهار لأجل الإرهاب .

والجحيم : جهنم . ولذلك قرن فعله بتاء التأنيث لأن جهنم مؤنثة في

الاستعمال ، أو هو بتأويل النار ، والجحيم كل نار عظيمة في حفرة عميقة .

وبنى فعل ﴿ برزت ﴾ للمجهول لعدم الغرض ببيان مبرزها إذ الموعظة في الإعلام بوقوع إبرازها يومئذ .

و ﴿ لمن يرى ﴾ ، أي لكل راء ، ففعل ﴿ يرى ﴾ منزل منزلة اللازم لأن المقصود لمن له بصر ، كقول البحتري :

أن يرى مبصر ويسمع واع

والفاء في قوله : ﴿ فأما من طغى ﴾ رابطة لجواب ( إذا ) لأن جملة ﴿ من طغى ﴾ إلى آخرها جملة اسمية ليس فيها فعل يتعلق به ( إذا ) فلم يكن بين ( إذا ) وبين جوابها ارتباط لفظي فلذلك تجلب الفاء لربط الجواب في ظاهر اللفظ ، وأما في المعنى فيعلم أن ( إذا ) ظرف يتعلق بمعنى الاستقرار الذي بين المبتدأ والخبر .

و ( أما ) حرف تفصيل وشرط لأنها في معنى : مهما يكن شيء .

والطغيان تقدم معناه آنفا . والمراد هنا : طغى على أمر الله ، كما دل عليه قوله : ﴿ وأما من خاف مقام ربه ﴾ .

وقدم ذكر الطغيان على إيثار الحياة الدنيا لأن الطغيان من أكبر أسباب إيثار الحياة الدنيا فلما كان مسببا عنه ذكر عقبه مراعاة للترتب الطبيعي .

والإيثار : تفضيل شيء على شيء في حال لا يتيسر فيها الجمع بين أحوال كل منهما .

ويعدى فعل الإيثار إلى اسم المأثور بتعدية الفعل إلى مفعوله ، ويعدى إلى المأثور عليه بحرف ( على ) قال تعالى حكاية ﴿ لقد آثرك الله علينا ﴾ ( يوسف : 91 ) ، وقد يترك ذكر المأثور عليه إذا كان ذكر المأثور يشير إليه كما إذا كان المأثور والمأثور عليه ضدين كما هنا لما هو شائع من المقابلة بين الحياة الدنيا والآخرة .

وقد يترك ذكر المأثور اكتفاء بذكر المأثور عليه إذا كان هو الأهم كقوله تعالى : ﴿ ويؤثرون على أنفسهم ﴾ ( الحشر : 9 ) لظهور أن المراد يؤثرون الفقراء .

والمراد بالحياة الدنيا حظوظها ومنافعها الخاصة بها ، أي التي لا تشاركها فيها حظوظ الآخرة ، فالكلام على حذف مضاف ، تقديره : نعيم الحياة .

ويفهم من فعل الإيثار أن معه نبذا لنعيم الآخرة . ويرجع إيثار الحياة الدنيا إلى إرضاء هوى النفس ، وإنما يعرف كلا الحظين بالتوقيف الإلاهي كما عرف الشرك وتكذيب الرسل والاعتداء على الناس والبطر والصلف وما يستتبعه ذلك من الأحوال الذميمة .

وملاك هذا الإيثار هو الطغيان على أمر الله ، فإن سادتهم ومسيريهم يعلمون أن ما يدعوهم إليه الرسول هو الحق ولكنهم يكرهون متابعته استكبارا عن أن يكونوا تبعا للغير فتضيع سيادتهم .

وقد زاد هذا المفاد بيانا قوله بعده : ﴿ وأما من خاف مقام ربه ﴾ الآية . وبه يظهر أن مناط الذم في إيثار الحياة الدنيا هو إيثارها على الآخرة ، فأما الأخذ بحظوظ الحياة الدنيا التي لا يفيت الأخذ بها حظوظ الآخرة فذلك غير مذموم ، وهو مقام كثير من عباد الله الصالحين حكاه الله تعالى عن صالحي بني إسرائيل من قولهم لقارون : ﴿ وابتع فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا ﴾ ( القصص : 77 ) .

وقوله : ﴿ من خاف مقام ربه ﴾ مقابل قوله : ﴿ من طغى ﴾ لأن الخوف ضد الطغيان وقوله : ﴿ نهى النفس عن الهوى ﴾ مقابل قوله : ﴿ وآثر الحياة الدنيا ﴾ .

ونهى الخائف نفسه مستعار للانكفاف عن تناول ما تحبه النفس من المعاصي والهوى ، فجعلت نفس الإنسان بمنزلة شخص آخر يدعوه إلى السيئات وهو ينهاه عن هذه الدعوة ، وهذا يشبه ما يسمى بالتجريد ، يقولون : قالت له نفسه كذا فعصاها ، ويقال : نهى قلبه ، ومن أحسن ما قيل في ذلك قول عروة بن أذينة :

وإذا وجدت لها وساوس سلوة

شفع الفؤاد إلى الضمير فسلها

والمراد ب ﴿ الهوى ﴾ ما تهواه النفس فهو مصدر بمعنى المفعول مثل الخلق بمعنى المخلوق ، فهو ما ترغب فيه قوى النفس الشهوية والغضبية مما يخالف الحق والنفع الكامل . وشاع الهوى في المرغوب الذميم ولذلك قيل في قوله تعالى : { ومن أضل

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٣٠ · الصفحة ٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٣٠ · ص ٤١