( المتاع ) يطلق على ما ينتفع به مدة ، ففيه معنى التأجيل ، وتقدم عند قوله ﴿ وأمتعتكم ﴾ في سورة النساء ، وهو هنا اسم مصدر متع ، أي إعطاء للانتفاع زمانا ، وتقدم بيانه عند قوله تعالى : ﴿ ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين ﴾ في سورة الأعراف .
وانتصب ﴿ متاعا ﴾ على النيابة عن الفعل . والتقدير : متعناكم متاعا .
ولام ﴿ لكم ولأنعامكم ﴾ لام التقوية لأن المصدر فرع في العمل عن الفعل ، وهو راجع إلى خلق الأرض والجبال ، وذلك في الأرض ظاهر ، وأما الجبال فلأنها معتصمهم من عدوهم ، وفيها مراعي أنعامهم تكون في الجبال مأمونة من الغارة عليها على غرة . وهذا إدماج الامتنان في الاستدلال لإثارة شكرهم حق النعمة بأن يعبدوا المنعم وحده ولا يشركوا بعبادته غيره .
وفي قوله : ﴿ والأرض بعد ذلك دحاها ﴾ ( النازعات : 30 ) إلى ﴿ ولأنعامكم ﴾ محسن الجمع ثم التقسيم .
( 34 41 ) ﴿ ﴾
يجوز أن يكون التفريع على الاستدلال الذي تضمنه قوله : ﴿ أأنتم أشد خلقا أم السماء ﴾ ( النازعات : 27 ) الآيات ، فإن إثبات البعث يقتضي الجزاء إذ هو حكمته . وإذا اقتضى الجزاء كان على العاقل أن يعمل لجزاء الحسنى ويجتنب ما يوقع في الشقاء وأن يهتم بالحياة الدائمة فيؤثرها ولا يكترث بنعيم زائل فيتورط في اتباعه ، فلذلك فرع على دليل إثبات البعث تذكير بالجزاءين ، وإرشاد إلى النجدين .
وإذ قد قدم قبل الاستدلال تحذير إجمالي بقوله : ﴿ يوم ترجف الراجفة ﴾ ( النازعات : 6 ) الآية كما يذكر المطلوب قبل القياس في الجدل ، جيء عقب الاستدلال بتفصيل ذلك التحذير مع قرنه بالتبشير لمن تحلى بضده فلذلك عبر عن البعث ابتداء بالراجفة لأنها مبدؤه ، ثم بالزجرة ، وأخيرا بالطامة الكبرى لما في هذين الوصفين من معنى يشمل الراجفة وما بعدها من الأهوال إلى أن يستقر كل فريق في مقره .
ومن تمام المناسبة للتذكير بيوم الجزاء وقوعه عقب التذكير بخلق الأرض ، والامتنان بما هيأ منها للإنسان متاعا به ، للإشارة إلى أن ذلك ينتهي عندما يحين يوم البعث والجزاء .
ويجوز أن يجعل قوله : ﴿ فإذا جاءت الطامة الكبرى ﴾ مفرعا على قوله : ﴿ فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة ﴾ ( النازعات : 13 ، 14 ) فإن الطامة هي الزجرة .
ومناط التفريع هو ما عقبه من التفصيل بقوله : ﴿ فأما من طغى ﴾ الخ إذ لا يلتئم تفريع الشيء على نفسه .
( وإذا ) ظرف للمستقبل فلذلك إذا وقع بعد الفعل الماضي صرف إلى
الاستقبال ، وإنما يؤتى بعد ( إذا ) بفعل الماضي لزيادة تحقيق ما يفيده ( إذا ) من تحقق الوقوع .
والمجيء : هنا مجاز في الحصول والوقوع لأن الشيء الموقت المؤجل بأجل يشبه شخصا سائرا إلى غاية ، فإذا حصل ذلك المؤجل عند أجله فكأنه السائر إلى ، إذا بلغ المكان المقصود .
والطامة : الحادثة ، أو الوقعة التي تطم ، أي تعلو وتغلب بمعنى تفوق أمثالها من نوعها بحيث يقل مثلها في نوعها ، مأخوذ من طم الماء ، إذا غمر الأشياء وهذا الوصف يؤذن بالشدة والهول إذ لا يقال مثله إلا في الأمور المهولة ثم بولغ في تشخيص هولها بأن وصفت ب ﴿ الكبرى ﴾ فكان هذا أصرح الكلمات لتصوير ما يقارن هذه الحادثة من الأهوال .
والمراد بالطامة الكبرى : القيامة وقد وصفت بأوصاف عديدة في القرآن مثل الصاخة والقارعة والراجفة ووصفت بالكبرى .
و ﴿ يوم يتذكر الإنسان ما سعى ﴾ بدل من جملة ﴿ إذا جاءت الطامة الكبرى ﴾ بدل اشتمال لأن ما أضيف إليه يوم هو من الأحوال التي يشتمل عليها زمن مجيء الطامة وهو يوم القيامة ويوم الحساب .
وتذكر الإنسان ما سعاه : أن يوقف على أعماله في كتابه لأن التذكر مطاوع ذكره .
والتذكر يقتضي سبق النسيان وهو انمحاء المعلوم من الحافظة .
والمعنى : يوم يذكر الإنسان فيتذكر ، أي يعرض عليه عمله فيعترف به إذ ليس المقصود من التذكر إلا أثره ، وهو الجزاء فكني بالتذكر عن الجزاء قال تعالى : ﴿ اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا ﴾ ( الإسراء : 14 ) .