تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي مصاحفنا القديمة والحديثة المغربية والمشرقية تسمية هذه السورة ( سورة الناس ) وكذلك أكثر كتب التفسير .

وهي مكية في قول الذين قالوا في سورة الفلق إنها مكية ، ومدنية في قول الذين قالوا في سورة الفلق إنها مدنية . والصحيح أنهما نزلتا متعاقبتين ، فالخلاف في إحداهما كالخلاف في الأخرى .

وقال في ( الإتقان ) : إن سبب نزولها قصة سحر لبيد بن الأعصم ، وأنها نزلت مع ( سورة الفلق ) وقد سبقه إلى ذلك القرطبي والواحدي ، وقد علمت تزييفه في سورة الفلق .

وعلى الصحيح من أنها مكية فقد عدت الحادية والعشرين من السور ، نزلت عقب سورة الفلق وقبل سورة الإخلاص .

وعدد آيها ست آيات ، وذكر في ( الإتقان ) قولا : إنها سبع آيات وليس معزوا لأهل العدد .

أغراضها

إرشاد النبي صلى الله عليه وسلم لأن يتعوذ بالله ربه من شر الوسواس الذي يحاول إفساد عمل النبي صلى الله عليه وسلم وإفساد إرشاده الناس ويلقي في نفوس الناس الإعراض عن دعوته . وفي هذا الأمر إيماء إلى أن الله تعالى معيذه من ذلك فعاصمه في نفسه من تسلط وسوسة الوسواس عليه ، ومتمم دعوته حتى تعم في الناس . ويتبع ذلك تعليم المسلمين التعوذ بذلك ، فيكون لهم من هذا التعوذ ما هو حظهم من قابلية التعرض إلى الوسواس ، ومع السلامة منه بمقدار مراتبهم في الزلفى .

| 2 ( ﴿ قل أعوذ برب الناس * ملك الناس * إلاه الناس * من شر الوسواس الخناس * الذى يوسوس فى صدور الناس * من الجنة والناس ﴾ ) 2

شابهت فاتحتها فاتحة سورة الفلق إلا أن سورة الفلق تعوذ من شرور المخلوقات من حيوان وناس ، وسورة الناس تعوذ من شرور مخلوقات خفية وهي الشياطين .

والقول في الأمر بالقول ، وفي المقول ، وفي أن الخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم والمقصود شموله أمته ، كالقول في نظيره من سورة الفلق سواء .

وعرف ﴿ رب ﴾ بإضافته إلى ﴿ الناس ﴾ دون غيرهم من المربوبين لأن الاستعاذة من شر يلقيه الشيطان في قلوب الناس فيضلون ويضلون ، فالشر المستعاذ منه مصبه إلى الناس ، فناسب أن يستحضر المستعاذ إليه بعنوان أنه رب من يلقون الشر ومن يلقى إليهم ليصرف هؤلاء ويدفع عن الآخرين كما يقال لمولى العبد : يا مولى فلان كف عني عبدك .

وقد رتبت أوصاف الله بالنسبة إلى الناس ترتيبا مدرجا فإن الله خالقهم ، ثم هم غير خارجين عن حكمه إذا شاء أن يتصرف في شؤونهم ، ثم زيد بيانا بوصف

إلاهيته لهم ليتبين أن ربوبيته لهم وحاكميته فيهم ليست كربوبية بعضهم بعضا وحاكمية بعضهم في بعض .

وفي هذا الترتيب إشعار أيضا بمراتب النظر في معرفة الله تعالى فإن الناظر يعلم بادىء ذي بدء بأن له ربا يسبب ما يشعر به من وجود نفسه ، ونعمة تركيبه ، ثم يتغلغل في النظر فيشعر بأن ربه هو الملك الحق الغني عن الخلق ، ثم يعلم أنه المستحق للعبادة فهو إلاه الناس كلهم .

و ﴿ ملك الناس ﴾ عطف بيان من ﴿ رب الناس ﴾ وكذلك ﴿ إله الناس ﴾ فتكرير لفظ ﴿ الناس ﴾ دون اكتفاء بضميره لأن عطف البيان يقتضي الإظهار ليكون الاسم المبين ( بكسر الياء ) مستقلا بنفسه لأن عطف البيان بمنزلة علم للاسم المبين ( بالفتح ) .

و ﴿ الناس ﴾ : اسم جمع للبشر جميعهم أو طائفة منهم ولا يطلق على غيرهم على التحقيق .

و ﴿ الوسواس ﴾ : المتكلم بالوسوسة ، وهي الكلام الخفي ، قال رؤبة يصف صائدا في قترته :

وسوس يدعو مخلصا رب الفلق

فالوسواس اسم فاعل ويطلق الوسواس بفتح الواو مجازا على ما يخطر بنفس المرء من الخواطر التي يتوهمها مثل كلام يكلم به نفسه قال عروة بن أذينة :

وإذا وجدت لها وساوس سلوة

شفع الفؤاد إلى الضمير فسلها

والتعريف في ﴿ الوسواس ﴾ تعريف الجنس وإطلاق ﴿ الوسواس ﴾ على معنييه المجازي والحقيقي يشمل الشياطين التي تلقي في أنفس الناس الخواطر الشريرة ، قال تعالى : ﴿ فوسوس إليه الشيطان ﴾ ( طه : 120 ) ، ويشمل الوسواس كل من يتكلم كلاما خفيا من الناس وهم أصحاب المكائد والمؤامرات المقصود منها إلحاق الأذى من اغتيال نفوس أو سرقة أموال أو إغراء بالضلال والإعراض عن الهدى ، لأن شأن مذاكرة هؤلاء بعضهم مع بعض أن تكون سرا لئلا يطلع عليها من يريدون الإيقاع به ، وهم الذين يتربصون برسول الله صلى الله عليه وسلم الدوائر ويغرون الناس بأذيته .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٣٠ · الصفحة ٢٩٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٣٠ · ص ٢٩٦