تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعدد آياتها خمس بالاتفاق .

واشتهر عن عبد الله بن مسعود في ( الصحيح ) أنه كان ينكر أن تكون ( المعوذتان ) من القرآن ويقول : إنما أمر رسول الله أن يتعوذ بهما ، أي ولم يؤمر

بأنهما من القرآن . وقد جمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على القراءة بهما في الصلاة وكتبتا في مصاحفهم ، وصح أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ بهما في صلاته .

أغراضها

والغرض منها تعليم النبي صلى الله عليه وسلم كلمات للتعوذ بالله من شر ما يتقى شره من المخلوقات الشريرة ، والأوقاتت التي يكثر فيها حدوث الشر ، والأحوال التي يستر أفعال الشر من ورائها لئلا يرمى فاعلوها بتبعاتها ، فعلم الله نبيئه هذه المعوذة ليتعوذ بها ، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ بهذه السورة وأختها ويأمر أصحابه بالتعوذ بهما ، فكان التعوذ بهما من سنة المسلمين .

| 2 ( ﴿ قل أعوذ برب الفلق * من شر ما خلق * ومن شر غاسق إذا وقب * ومن شر النفاثات فى العقد * ومن شر حاسد إذا حسد ﴾ ) 2

الأمر بالقول يقتضي المحافظة على هذه الألفاظ لأنها التي عينها الله للنبيء صلى الله عليه وسلم ليتعوذ بها فإجابتها مرجوة ، إذ ليس هذا المقول مشتملا على شيء يكلف به أو يعمل حتى يكون المراد : قل لهم كذا كما في قوله : ﴿ قل هو الله أحد ﴾ ( الإخلاص : 1 ) ، وإنما هو إنشاء معنى في النفس تدل عليه هذه الأقوال الخاصة .

وقد روي عن ابن مسعود في أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن المعوذتين فقال : ( قيل لي قل فقلت لكم فقولوا ) . يريد بذلك المحافظة على هذه الألفاظ للتعوذ وإذ قد كانت من القرآن فالمحافظة على ألفاظها متعينة والتعوذ يحصل بمعناها وبألفاظها حتى كلمة { قل .

والخطاب بقل } للنبيء صلى الله عليه وسلم وإذ قد كان قرآنا كان خطاب النبي صلى الله عليه وسلم به يشمل الأمة حيث لا دليل على تخصيصه به ، فلذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه بالتعوذ بهذه السورة ولذلك أيضا كان يعوذ بهما الحسن والحسين كما ثبت في ( الصحيح ) ، فتكون صيغة الأمر الموجهة إلى المخاطب مستعملة في معنيي الخطاب من توجهه إلى معين وهو الأصل ، ومن إرادة كل من يصح خطابه وهو

طريق من طرق الخطاب تدل على قصده القرائن ، فيكون من استعمال المشترك في معنييه .

واستعمال صيغة التكلم في فعل ﴿ أعوذ ﴾ يتبع ما يراد بصيغة الخطاب في فعل ﴿ قل ﴾ فهو مأمور به لكل من يريد التعوذ بها .

وأما تعويذ قارئها غيره بها كما ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعوذ بالمعوذتين الحسن والحسين ، وما روي عن عائشة قالت : ( إن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينفث على نفسه في المرض الذي مات فيه بالمعوذات ، فلما ثقل كنت أنفث عليه بهن وأمسح بيد نفسه لبركتها ) ، فذلك على نية النيابة عمن لا يحسن أن يعوذ نفسه بنفسه بتلك الكلمات لعجز أو صغر أو عدم حفظ .

والعوذ : اللجأ إلى شيء يقي من يلجأ إليه ما يخافه ، يقال : عاذ بفلان ، وعاذ بحصن ، ويقال : استعاذ ، إذا سأل غيره أن يعيذه قال تعالى : ﴿ فاستعذ بالله إنه سميع عليم ﴾ ( الأعراف : 200 ) . وعاذ من كذا ، إذا صار إلى ما يعيذه منه قال تعالى : ﴿ فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ﴾ ( النحل : 98 ) .

و ﴿ الفلق ﴾ : الصبح ، وهو فعل بمعنى مفعول مثل الصمد لأن الليل شبه بشيء مغلق ينفلق عن الصبح ، وحقيقة الفلق : الانشقاق عن باطن شيء ، واستعير لظهور الصبح بعد ظلمة الليل ، وهذا مثل استعارة الإخراج لظهور النور بعد الظلام في قوله تعالى : ﴿ وأغطش ليلها وأخرج ضحاها ﴾ ( النازعات : 29 ) ، واستعارة السلخ له في قوله تعالى : ﴿ وآية لهم الليل نسلخ منه النهار ﴾ ( يس : 37 ) .

ورب الفلق : هو الله ، لأنه الذي خلق أسباب ظهور الصبح ، وتخصيص وصف الله بأنه رب الفلق دون وصف آخر لأن شرا كثيرا يحدث في الليل من لصوص ، وسباع ، وذوات سموم ، وتعذر السير ، وعسر النجدة ، وبعد الاستغاثة واشتداد آلام المرضى ، حتى ظن بعض أهل الضلالة الليل إلاه الشر .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٣٠ · الصفحة ٢٩٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٣٠ · ص ٢٩٣