تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والتدبير : جولان الفكر في عواقب الأشياء وبإجراء الأعمال على ما يليق بما توجد له فإن كانت السابحات جماعات الملائكة ، فمعنى تدبيرها تنفيذ ما نيط بعهدتها على أكمل ما أذنت به فعبر عن ذلك بالتدبير للأمور لأنه يشبه فعل المدبر المتثبت .

وإن كانت السابحات خيل الغزاة فالمراد بالتدبير : تدبير مكائد الحرب من كر ، وفر ، وغارة ، وقتل ، وأسر ، ولحاق للفارين ، أو ثبات بالمكان . وإسناد التدبير إلى السابحات على هذا الوجه مجاز عقلي لأن التدبير للفرسان وإنما الخيل وسائل لتنفيذ التدبير ، كما قال تعالى : ﴿ وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ﴾ ( الحج : 27 ) ، فأسند الإتيان إلى ضمير ﴿ كل ضامر ﴾ من الإبل لأن إتيان الحجيج من الفجاج العميقة يكون بسير الإبل .

وفي هذا المجاز إيماء إلى حذق الخيل وسرعة فهمها مقاصد فرسانها حتى كأنها هي المدبرة لما دبره فرسانها .

والأمر : الشأن والغرض المهم وتنوينه للتعظيم ، وإفراده لإرادة الجنس ، أي أمورا .

وينتظم من مجموع صفات ﴿ النازعات ﴾ ، و ﴿ الناشطات ﴾ ، و ﴿ السابحات ﴾ ، إذا فهم منها جماعات الرماة والجمالة والفرسانن أن يكون إشارة إلى أصناف المقاتلين من مشاة وهم الرماة بالقسي ، وفرسان على الخيل وكانت الرماة تمشي قدام الفرسان تنضح عنهم بالنبال حتى يبلغوا إلى مكان الملحمة . قال أنيف بن زبان الطائي :

وتحت نحور الخيل خرشف رجلة

تتاح لغراتت القلوب نبالها

ولتحمل الآية لهذه الاحتمالات كانت تعريضا بتهديد المشركين بحرب تشن عليهم وهي غزوة فتح مكة أو غزوة بدر مثل سورة ( والعاديات ) وأضرابها ، وهي من دلائل نبوءة محمد صلى الله عليه وسلم إذ كانت هذه التهديدات صريحها وتعريضها في مدة مقامة صلى الله عليه وسلم بمكة والمسلمون في ضعف فحصل من هذا القسم تعريض بعذاب في الدنيا .

وجملة ﴿ يوم ترجف الراجفة ﴾ إلى ﴿ خاشعة ﴾ جواب القسم وصريح الكلام

موعظة . والمقصود منه لازمه وهو وقوع البعث لأن القلوب لا تكون إلا في أجسام . وقد علم أن المراد ب ﴿ يوم ترجف الراجفة ﴾ هو يوم القيامة لأنه قد عرف بمثل هذه الأحوال في آيات كثيرة مما سبق نزوله مثل قوله : ﴿ إذا رجت الأرض ﴾ فكان في هذا الجواب تهويل ليوم البعث وفي طيه تحقيق وقوعه فحصل إيجاز في الكلام جامع بين الإنذار بوقوعه والتحذير مما يجري فيه .

و ﴿ يوم ترجف الراجفة ﴾ ظرف متعلق ب ﴿ واجفة ﴾ فآل إلى أن المقسم عليه المراد تحقيقه هو وقوع البعث بأسلوب أوقع في نفوس السامعين المنكرين من أسلوب التصريح بجواب القسم ، إذ دل على المقسم عليه بعض أحواله التي هي من أهواله فكان في جواب القسم إنذار .

ولم تقرن جملة الجواب بلام جواب القسم لبعد ما بين الجواب وبين القسم بطول جملة القسم ، فيظهر لي من استعمال البلغاء أنه إذا بعد ما بين القسم وبين الجواب لا يأتون بلام القسم في الجواب ، ومن ذلك قوله تعالى : ﴿ والسماء ذات البروج ﴾ إلى ﴿ قتل أصحاب الأخدود ﴾ ( البروج : 1 4 ) . ومثله كثير في القرآن فلا يؤتى بلام القسم في جوابه إلا إذا كان الجواب مواليا لجملة القسم نحو ﴿ وتالله لأكيدن أصنامكم ﴾ ( الأنبياء : 57 ) ﴿ فوربك لنسألنهم أجمعين ﴾ ( الحجر : 92 ) ، ولأن جواب القسم إذا كان جملة اسمية لم يكثر اقترانه بلام الجواب ولم أر التصريح بجوازه ولا بمنعه ، وإن كان صاحب ( المغني ) استظهر في مبحث لام الجواب في قوله تعالى : ﴿ ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير ﴾ ( البقرة : 103 ) أن اللام لام جواب قسم محذوف وليست لام جواب ( لو ) بدليل كون الجملة اسمية ، والاسمية قليلة من جواب ( لو ) فلم ير جملة الجواب إذا كانت اسمية أن تقترن باللام . وجعل صاحب ( الكشاف ) تبعا للفراء وغيره جواب القسم محذوفا تقديره : لتبعثن .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٣٠ · الصفحة ٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٣٠ · ص ٢٩