والقسم بالنجوم في هذه الحالة لأنها مظهر من مظاهر القدرة الربانية كقوله تعالى : ﴿ والنجم إذا هوى ﴾ ( النجم : 1 ) .
ويحتمل أن تكون ﴿ النازعات ﴾ جماعات الرماة بالسهام في الغزو يقال : نزع في القوس ، إذا مدها عند وضع السهم فيها . وروي هذا عن عكرمة وعطاء .
والغرف : الإغراق ، أي استيفاء مد القوس بإغراق السهم فيها فيكون قسما بالرماة من المسلمين الغزاة لشرفهم بأن غزوهم لتأييد دين الله ، ولم تكن للمسلمين وهم بمكة يومئذ غزوات ولا كانوا يرجونها ، فالقسم بها إنذار للمشركين بغزوة بدر التي كان فيها خضد شوكتهم ، فيكون من دلائل النبوءة ووعد وعده الله رسوله صلى الله عليه وسلم
و ﴿ الناشطات ﴾ : يجوز أن تكون الموصوفات بالنشاط ، وهو قوة الانطلاق للعمل كالسير السريع ، وينطلق النشاط على سير الثور الوحشي وسير البعير لقوة ذلك ، فيكون الموصوف إما الكواكب السيارة على وجه التشبيه لدوام تنقلها في دوائرها وإما إبل الغزو ، وإما الملائكة التي تسرع إلى تنفيذ ما أمر الله به من أمر التكوين وكلاهما على وجه الحقيقة ، وأيا ما كان فعطفها على ﴿ النازعات ﴾ عطف نوع على نوع أو عطف صنف على صنف .
و ﴿ نشطا ﴾ مصدر جاء على مصدر فعل المتعدي من باب نصر فتعين أن ﴿ الناشطات ﴾ فاعلات النشط فهو متعد .
وقد يكون مفضيا لإرادة النشاط الحقيقي لا المجازي . ويجوز أن يكون التأكيد لتحقيق الوصف لا لرفع احتمال المجاز .
وعن ابن عباس : ﴿ الناشطات ﴾ الملائكة تنشيط نفوس المؤمنين ، وعنه هي نفوس المؤمنين تنشط للخروج .
و ﴿ السابحات ﴾ صفة من السبح المجازي ، وأصل السبح العوم وهو تنقل الجسم على وجه الماء مباشرة وهو هنا مستعار لسرعة الانتقال ، فيجوز أن يكون المراد الملائكة السائرين في أجواء السماوات وآفاق الأرض ، وروي عن علي بن أبي طالب .
ويجوز أن يراد خيل الغزاة حين هجومها على العدو سريعة كسرعة السابح في الماء كالسابحات في قول امرىء القيس يصف فرسا :
مسح إذا ما السابحات على الونى
أثرن الغبار بالكديد المركل
وقيل : ﴿ السابحات ﴾ النجوم ، وهو جار على قول من فسر النازعات بالنجوم ، ﴿ وسبحا ﴾ مصدر مؤكد لإفادة التحقيق مع التوسل إلى تنوينه للتعظيم ، وعطف ﴿ فالسابقات ﴾ بالفاء يؤذن بأن هذه الصفة متفرعة عن التي قبلها لأنهم يعطفون بالفاء الصفات التي شأنها أن يتفرع بعضها عن بعض كما تقدم في قوله تعالى : ﴿ والصافات صفا فالزاجرات زجرا فالتاليات ذكرا ﴾ ( الصافات : 1 3 ) قول ابن زيابة :
يا لهف زيابة للحارث الص
ابح فالغائم فالآيب
فلذلك ﴿ فالسابقات ﴾ هي السابقات من السابحات .
والسبق : تجاوز السائر من يسير معه ووصوله إلى المكان المسير إليه قبله . ويطلق السبق على سرعة الوصول من دون وجود سائر مع السابق قال تعالى : ﴿ فاستبقوا الخيرات ﴾ ( البقرة : 148 ) وقال : ﴿ أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون ﴾ ( المؤمنون : 61 ) .
ويطلق السبق على الغلب والقهر ، ومنه قوله تعالى : ﴿ أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ﴾ ( العنكبوت : 4 ) وقول مرة بن عداء الفقعسي :
كأنك لم تسبق من الدهر ليلة
إذا أنت أدركت الذي كنت تطلب
فقوله تعالى : ﴿ فالسابقات سبقا ﴾ يصلح للحمل على هذه المعاني على اختلاف محامل وصف السابحات بما يناسب كل احتمال على حياله بأن يراد السائرات سيرا سريعا فيما تعلمه ، أو المبادرات . وإذا كان ﴿ السابحات ﴾ بمعنى الخيل كان ﴿ السابقات ﴾ إن حمل على معنى المسرعات كناية عن عدم مبالاة الفرسان بعدوهم وحرصهم على الوصول إلى أرض العدو ، أو على معنى غلبهم أعداءهم .
وأكد بالمصدر المرادف لمعناه وهو ﴿ سبقا ﴾ للتأكيد ولدلالة التنكير على عظم ذلك السبق .
و ﴿ المدبرات ﴾ : الموصوفة بالتدبير .