ويؤيده ما ورد في حديث مسلم عن أبي هريرة قال : ( خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فإذا هو بأبي بكر وعمر فقاما معه فأتى رجلا من الأنصار فإذا هو ليس في بيته . إذ جاء الأنصاري فنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه ثم قال : الحمد
لله ما أحد اليوم أكرم أضيافا مني فانطلق فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر ورطب وأخذ المدية فذبح لهم فأكلوا من الشاة ومن ذلك العذق وشربوا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لتسألن عن نعيم هذا اليوم يوم القيامة ) الحديث . فهذا سؤال عن النعيم ثبت بالسنة وهو غير الذي جاء في هذه الآية . والأنصاري هو أبو الهيثم بن التيهان واسمه مالك .
ومعنى الحديث : لتسألن عن شكر تلك النعمة ، أراد تذكيرهم بالشكر في كل نعمة . وسؤال المؤمنين سؤال لترتيب الثواب على الشكر أو لأجل المؤاخذة بالنعيم الحرام .
وذكر القرطبي عن الحسن : لا يسأل عن النعيم إلا أهل النار ، وروي ( أن أبا بكر لما نزلت هذه الآية قال : يا رسول الله أرأيت أكلة أكلتها معك في بيت أبي الهيثم بن التيهان من خبز شعير ولحم وبسر قد ذنب وماء عذب ، أنخاف أن يكون هذا من النعيم الذي نسأل عنه ؟ فقال عليه السلام : ذلك للكفار ثم قرأ : ﴿ وهل يجازى إلا الكفور ﴾ ( سبأ : 17 ) .
قال القشيري : والجمع بين الأخبار أن الكل يسألون ، ولكن سؤال الكافر سؤال توبيخ لأنه قد ترك الشكر ، وسؤال المؤمن سؤال تشريف لأنه شكر .
والجملة المضاف إليها ( إذ ) من قوله : ﴿ يومئذ ﴾ محذوفة دل عليها قوله : ﴿ لترون الجحيم ﴾ ( التكاثر : 6 ) أي يوم إذ ترون الجحيم فيغلظ عليكم العذاب .
| 1 ( سورة العصر ) 1
ذكر ابن كثير أن الطبراني روى بسنده عن عبيد الله بن حصين قال : ( كان الرجلان من أصحاب رسول الله إذا التقيا لم يفترقا إلا على أن يقرأ أحدهما على الآخر سورة العصر ) الخ ما سيأتي .
وكذلك تسميتها في مصاحف كثيرة وفي معظم كتب التفسير وكذلك هي في مصحف عتيق بالخط الكوفي من المصاحف القيروانية في القرن الخامس .
وسميت في بعض كتب التفسير وفي ( صحيح البخاري ) ( سورة والعصر ) بإثبات الواو على حكاية أول كلمة فيها ، أي سورة هذه الكلمة .
وهي مكية في قول الجمهور وإطلاق جمهور المفسرين . وعن قتادة ومجاهد ومقاتل أنها مدنية . وروي عن ابن عباس ولم يذكرها صاحب ( الإتقان ) في عداد السور المختلف فيها .
وقد عدت الثالثة عشرة في عداد نزول السور نزلت بعد سورة الانشراح وقبل سورة العاديات .
وآيها ثلاث آيات .
وهي إحدى سور ثلاث هن أقصر السور عدد آيات : هي ، والكوثر وسورة النصر .
أغراضها
واشتملت على إثبات الخسران الشديد لأهل الشرك ومن كان مثلهم من أهل
الكفر بالإسلام بعد أن بلغت دعوته ، وكذلك من تقلد أعمال الباطل التي حذر الإسلام المسلمين منها .
وعلى إثبات نجاة وفوز الذين آمنوا وعملوا الصالحات والداعين منهم إلى الحق .
وعلى فضيلة الصبر على تزكية النفس ودعوة الحق .
وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اتخذوها شعارا لهم في ملتقاهم . روى الطبراني بسنده إلى عبيد الله بن عبد الله بن الحصين الأنصاري ( من التابعين ) أنه قال : ( كان الرجلان من أصحاب رسول الله إذا التقيا لم يفترقا إلا على أن يقرأ أحدهما على الآخر سورة العصر إلى آخرها ثم يسلم أحدهما على الآخر ( أي سلام التفرق وهو سنة أيضا مثل سلام القدوم ) .
وعن الشافعي : لو تدبر الناس هذه السورة لوسعتهم . وفي رواية عنه : لو لم ينزل إلى الناس إلا هي لكفتهم . وقال غيره : إنها شملت جميع علوم القرآن . وسيأتي بيانه .
| 2 ( ﴿ والعصر * إن الإنسان لفى خسر * إلا الذين ءامنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ﴾ ) 2
أقسم الله تعالى بالعصر قسما يراد به تأكيد الخبر كما هو شأن أقسام القرآن .