تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والاقتصار على المرء جري على غالب استعمال العرب في كلامهم ، فالكلام خرج مخرج الغالب في التخاطب لأن المرأة كانت بمعزل عن المشاركة في شؤون ما كان خارج البيت .

والمراد : ينظر الإنسان من ذكر أو أنثى ، ما قدمت يداه ، وهذا يعلم من استقراء الشريعة الدال على عموم التكاليف للرجال والنساء إلا ما خص منها بأحد الصنفين لأن الرجل هو المستحضر في أذهان المتخاطبين عند التخاطب .

وتعريف ﴿ المرء ﴾ للاستغراق مثل ﴿ إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ ( العصر : 2 3 ) .

وفعل ﴿ ينظر ﴾ يجوز أن يكون من نظر العين أي البصر ، والمعنى : يوم يرى المرء ما قدمته يداه . ومعنى نظر المرء ما قدمت يداه : حصول جزاء عمله له ، فعبر عنه بالنظر لأن الجزاء لا يخلو من أن يكون مرئيا لصاحبه من خير أو شر ، فإطلاق النظر هنا على الوجدان على وجه المجاز المرسل بعلاقة الإطلاق ونظيره قوله تعالى : ﴿ ليروا أعمالهم ﴾ ( الزلزلة : 6 ) ، وقد جاءت الحقيقة في قوله تعالى : ﴿ يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا ﴾ ( آل عمران : 30 ) الآية ، و ( ما ) موصولة صلتها جملة ﴿ قدمت يداه ﴾ .

ويجوز أن يكون من نظر الفكر ، وأصله مجاز شاع حتى لحق بالمعاني الحقيقية كما يقال : هو بخير النظرين . ومنه التنظر : توقع الشيء ، أي يوم يترقب ويتأمل ما قدمت يداه ، وتكون ( ما ) على هذا الوجه استفهامية وفعل ﴿ ينظر ﴾ معلقا عن العمل بسبب الاستفهام ، والمعنى : ينظر المرء جواب من يسأل : ما قدمت يداه ؟

ويجوز أن يكون من الانتظار كقوله تعالى : ﴿ هل ينظرون إلا تأويله ﴾ ( الأعراف : 53 ) .

وتعريف ﴿ المرء ﴾ تعريف الجنس المفيد للاستغراق .

والتقديم : تسبيق الشيء والابتداء به .

و ﴿ ما قدمت يداه ﴾ هو ما أسلفه من الأعمال في الدنيا من خير أو شر فلا يختص بما عمله من السيئات فقد قال تعالى : ﴿ يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء ﴾ ( آل عمران : 30 ) الآية .

وقوله : ﴿ ما قدمت يداه ﴾ إما مجاز مرسل بإطلاق اليدين على جميع آلات الأعمال وإما أن يكون بطريقة التمثيل بتشبيه هيئة العامل لأعماله المختلفة بهيئة الصانع للمصنوعات بيديه كما قالوا في المثل : ( يداك أوكتا ) ولو كان ذلك على قول بلسانه أو مشي برجليه .

ولا يحسن أن يجعل ذكر اليدين من التغليب لأن خصوصية التغليب دون خصوصية التمثيل .

وشمل ﴿ ما قدمت يداه ﴾ الخير والشر .

وخص بالذكر من عموم المرء الإنسان الكافر الذي يقول : ﴿ يا ليتني كنت ترابا ﴾ لأن السورة أقيمت على إنذار منكري البعث فكان ذلك وجه تخصيصه بالذكر ، أي يوم يتمنى الكافر أنه لم يخلق من الأحياء فضلا عن أصحاب العقول المكلفين بالشرائع ، أي يتمنى أن يكون غير مدرك ولا حساس بأن يكون أقل شيء مما لا إدراك له وهو التراب ، وذلك تلهف وتندم على ما قدمت يداه من الكفر .

وقد كانوا يقولون : ﴿ أئذا كنا عظاما ورفاتا إنا لمبعوثون ﴾ ( الإسراء : 98 ) فجعل الله عقابهم بالتحسر وتمني أن يكونوا من جنس التراب .

وذكر وصف الكافر يفهم منه أن المؤمن ليس كذلك لأن المؤمن وإن عمل بعض السيئات وتوقع العقاب على سيئاته فهو يرجو أن تكون عاقبته إلى النعيم وقد قال الله تعالى : ﴿ يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا ﴾ ( آل عمران : 30 ) وقال : ﴿ ليروا أعمالهم فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ﴾ ( الزلزلة : 6 8 ) ، فالمؤمنون يرون ثواب الإيمان وهو أعظم ثواب ، وثواب حسناتهم على تفاوتهم فيها ويرجون المصير إلى ذلك الثواب وما يرونه من سيئاتهم لا يطغى على ثواب حسناتهم ، فهم كلهم يرجون المصير إلى النعيم ، وقد ضرب الله لهم أو لمن يقاربهم مثلا بقوله : ﴿ وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون ﴾ ( الأعراف : 46 ) على ما في تفسيرها من وجوه .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٣٠ · الصفحة ٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٣٠ · ص ٢٥