وتنكير ﴿ رسول ﴾ للنوعية المراد منها تيسير ما يستصعب كتنكير قوله تعالى : ﴿ أياما معدودات ﴾ ( البقرة : 184 ) وقول : ﴿ المص كتاب أنزل إليك ﴾ ( الأعراف : 1 ، 2 ) .
وفي هذا التبيين إبطال لمعاذيرهم كأنه قيل : فقد جاءتكم البينة ، على حد قوله تعالى : ﴿ أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير ﴾ ( المائدة : 19 ) ، وهو يفيد
أن البينة هي الرسول وذلك مثل قوله تعالى : ﴿ قد أنزل الله إليكم ذكرا رسولا يتلو عليكم آيات الله ﴾ ( الطلاق : 10 ، 11 ) .
فأسلوب هذا الرد مثل أسلوب قوله تعالى : ﴿ وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا ﴾ ( الإسراء : 90 94 ) .
وفي هذا تذكير بغلطهم فإن كتبهم ما وعدت إلا بمجيء رسول معه شريعة وكتاب مصدق لما بين يديه وذلك مما يندرج في قولة التوراة : ( وأجعل كلامي في فمه ) .
وقول الإنجيل : ( ويذكركم بكل ما قلته لكم ) كما تقدم آنفا ، وهو ما أشار إليه قوله تعالى : ﴿ وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ﴾ ( المائدة : 48 ) لأن التوراة والإنجيل لم يصفا النبي الموعود به إلا بأنه مثل موسى أو مثل عيسى ، أي في أنه رسول يوحي الله إليه بشريعة ، وأنه يبلغ عن الله وينطلق بوحيه ، وأن علامته هو الصدق كما تقدم آنفا . قال حجة الإسلام في كتاب ( المنقذ من الضلال ) : ( إن مجموع الأخلاق الفاضلة كان بالغا في نبينا إلى حد الإعجاز وأن معجزاته كانت غاية في الظهور والكثرة ) .
و ﴿ من الله ﴾ متعلق ب ﴿ رسول ﴾ ولم يسلك طريق الإضافة ليتأتى تنوين ﴿ رسول ﴾ فيشعر بتعظيم هذا الرسول .
وجملة ﴿ يتلوا صحفا ﴾ الخ صفة ثانية أو حال ، وهي إدماج بالثناء على القرآن إذ الظاهر أن الرسول الموعود به في كتبهم لم يوصف بأنه يتلو صحفا مطهرة .
والتلاوة : إعادة الكلام دون زيادة عليه ولا نقص منه سواء كان كلاما مكتوبا أو محفوظا عن ظهر قلب ، ففعل ﴿ يتلو ﴾ مؤذن بأنه يقرأ عليهم كلاما لا تبدل ألفاظه وهو الوحي المنزل عليه .
والصحف : الأوراق والقراطيس التي تجعل لأن يكتب فيها ، وتكون من رق أو جلد ، أو من خرق . وتسمية ما يتلوه الرسول ﴿ صحفا ﴾ مجاز بعلاقة الأيلولة لأنه مأمور بكتابته فهو عند تلاوته سيكون صحفا ، فهذا المجاز كقوله : ﴿ إني أراني أعصر خمرا ﴾ ( يوسف : 36 ) . وهذا إشارة إلى أن الله أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بكتابة القرآن في الصحف وما يشبه الصحف من أكتافف الشاء والخرق والحجارة ، وأن الوحي المنزل على الرسول سمي كتابا في قوله تعالى : ﴿ أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم ﴾ ( العنكبوت : 51 ) لأجل هذا المعنى .
وتعدية فعل ﴿ يتلو ﴾ إلى ﴿ صحفا ﴾ مجاز مرسل مشهور ساوى الحقيقة قال تعالى : ﴿ وما كنت تتلو من قبله من كتاب ﴾ ( العنكبوت : 48 ) ، وهو باعتبار كون المتلو مكتوبا ، وإنما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلو عليهم القرآن عن ظهر قلب ولا يقرأه من صحف فمعنى ﴿ يتلو صحفا ﴾ يتلو ما هو مكتوب في صحف والقرينة ظاهرة وهي اشتهار كونه صلى الله عليه وسلم أميا .
ووصف الصحف ب ﴿ مطهرة ﴾ وهو وصف مشتق من الطهارة المجازية ، أي كون معانيه لا لبس فيها ولا تشتمل على ما فيه تضليل ، وهذا تعريض ببعض ما في أيدي أهل الكتاب من التحريف والأوهام .
ووصف الصحف التي يتلوها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن فيها كتبا ، والكتب : جمع كتاب ، وهو فعال اسم بمعنى المكتوب ، فمعنى كون الكتب كائنة في الصحف أن الصحف التي يكتب فيها القرآن تشتمل على القرآن وهو يشتمل على ما تضمنته كتب الرسل السابقين مما هو خالص من التحريف والباطل ، وهذا كما قال تعالى : ﴿ مصدق لما بين يديه ﴾ ( البقرة : 97 ) وقال : ﴿ إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى ﴾ ( الأعلى : 18 ، 19 ) ، فالقرآن زبدة ما في الكتب الأولى ومجمع ثمرتها ، فأطلق على ثمرة الكتب اسم كتب على وجه مجاز الجزئية .