تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقوله : ويقوم أنبياء كذبة كثيرون ، ( أي بعد عيسى ) ويضلون كثيرين ولكن الذي يصبر إلى المنتهى ( أي يبقى إلى انقراض الدنيا وهو مؤول ببقاء دينه إذ لا يبقى أحد حيا إلى انقراض الدنيا ) فهذا يخلص ويكرر ببشارة الملكوت هذه في كل

المسكونة شهادة لجميع الأمم ثم يأتي المنتهى ) ، أي نهاية الدنيا ( متى الإصحاح الرابع والعشرون ) ، أي فهو خاتم الرسل كما هو بين .

وكان أحبارهم قد أساءوا التأويل للبشارات الواردة في كتبهم بالرسول المقفي وأدخلوا علامات يعرفون بها الرسول صلى الله عليه وسلم الموعود به هي من المخترعات الموهومة فبقي من خلفهم ينتظرون تلك المخترعات فإذا لم يجدوها كذبوا المبعوث إليهم .

و ﴿ البينة ﴾ : الحجة الواضحة والعلامة على الصدق وهو اسم منقول من الوصف جرى على التأنيث لأنه مؤول بالشهادة أو الآية .

ولعل إيثار التعبير بها هنا لأنها أحسن ما تترجم به العبارة الواقعة في كتب أهل الكتاب مما يحوم حول معنى الشهادة الواضحة لكل متبصر كما وقع في إنجيل متى لفظ ( شهادة لجميع الأمم ) ، ( ولعل التزام هذه الكلمة هنا مرتين كان لهذه الخصوصية ) وقد ذكرت مع ذكر الصحف الأولى في قوله : ﴿ وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه أو لم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى ﴾ ( طه : 133 ) .

والظاهر أن التعريف في ﴿ البينة ﴾ تعريف العهد الذهني ، وهو أن يراد معهود بنوعه لا بشخصه كقولهم : ادخل السوق ، لا يريدون سوقا معينة بل ما يوجد فيه ماهية سوق ، ومنه قول زهير :

وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم

ولذلك قال علماء البلاغة : إن المعرف بهذه اللام هو في المعنى نكرة فكأنه قيل حتى تأتيهم بينة .

ويجوز أن يكون التعريف لمعهود عند المخبر عنهم ، أي البينة التي هي وصايا أنبيائهم فهي معهودة عند كل فريق منهم وإن اختلفوا في تخيلها وابتعدوا في توهمها بما تمليه عليه تخيلاتهم واختلاقهم .

وأوثرت كلمة ﴿ البينة ﴾ لأنها تعبر عن المعنى الوارد في كلامهم ولذلك نرى مادتها متكررة في آيات كثيرة من القرآن في هذا الغرض كما في قوله : ﴿ أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى ﴾ ( طه : 133 ) وقوله : { فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر

مبين } ( الصف : 6 ) وقوله : ﴿ من بعد ما تبين لهم الحق ﴾ ( البقرة : 109 ) وقال عن القرآن : ﴿ هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان ﴾ ( البقرة : 185 ) .

و ﴿ من ﴾ في قوله : ﴿ من أهل الكتاب ﴾ بيانية بيان للذين كفروا .

وإنما قدم أهل الكتاب على المشركين هنا مع أن كفر المشركين أشد من كفر أهل الكتاب لأن لأهل الكتاب السبق في هذا المقام فهم الذين بثوا بين المشركين شبهة انطباق البينة الموصوفة بينهم فأيدوا المشركين في إنكار نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بما هو أتقن من ترهات المشركين إذ كان المشركون أميين لا يعلمون شيئا من أحوال الرسل والشرائع ، فلما صدمتهم الدعوة المحمدية فزعوا إلى اليهود ليتلقوا منهم ما يردون به تلك الدعوة وخاصة بعد ما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة .

فالمقصود بالإبطال ابتداء هو دعوى أهل الكتاب ، وأما المشركون فتبع لهم .

واعلم أنه يجوز أن يكون الكلام انتهى عند قوله : ﴿ حتى تأتيهم البينة ﴾ ، فيكون الوقف هناك ويكون قوله : ﴿ رسول من الله ﴾ إلى آخرها جملة مستأنفة استئنافا بيانيا وهو قول الفراء ، أي هي رسول من الله ، يعني لأن ما في البينة من الإبهام يثير سؤال سائل عن صفة هذه البينة ، وهي جملة معترضة بين جملة ﴿ لم يكن الذين كفروا . . . منفكين ﴾ إلى آخرها وبين جملة : ﴿ وما تفرق الذين أوتوا الكتاب ﴾ ( البينة : 4 ) .

ويجوز أن يكون ﴿ رسول ﴾ بدلا من ﴿ البينة ﴾ فيقتضي أن يكون من تمام لفظ ( بينة ) فيكون من حكاية ما زعموه . أريد إبطال معاذيرهم وإقامة الحجة عليهم بأن البينة التي ينتظرونها قد حلت ولكنهم لا يتدبرون أو لا ينصفون أو لا يفقهون ، قال تعالى : ﴿ فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ﴾ ( البقرة : 89 ) .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٣٠ · الصفحة ٢٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٣٠ · ص ٢٣١