تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فقد بينت هذه الآية حقيقة نفسية عظيمة من الأخلاق وعلم النفس . ونبهت على الحذر من تغلغلها في النفس .

وضمير ﴿ رآه ﴾ المستتر المرفوع على الفاعلية وضميره البارز المنصوب على المفعولية كلاهما عائد إلى الإنسان ، أي أن رأى نفسه استغنى .

ولا يجتمع ضميران متحدا المعاد : أحدهما فاعل ، والآخر مفعول في كلام العرب ، إلا إذا كان العامل من باب ظن وأخواتها كما في هذه الآية ، ومنه قوله تعالى : { قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي في سورة الإسراء . قال الفراء : والعرب تطرح النفس من هذا الجنس ( أي جنس أفعال الظن والحسبان ) تقول : رأيتني وحسبتني ، ومتى تراك خارجا ، ومتى تظنك خارجا ، وألحقت ( رأى ) البصرية ب ( رأى ) القلبية عند كثير من النحاة كما في قول قطري بن الفجاءة :

فلقد أراني للرماح دريئة

من عن يميني مرة وأمامي

ومن النادر قول النمر بن تولب :

قد بت أحرسني وحدي ويمنعني

صوت السباع به يضبحن والهام

وقرأ الجميع أن رآه } بألف بعد الهمزة ، وروى ابن مجاهد عن قنبل أنه قرأه عن ابن كثير ( رأه ) بدون ألف بعد الهمزة ، قال ابن مجاهد : هذا غلط ولا يعبأ بكلام ابن مجاهد بعد أن جزم بأنه رواه عن قنبل ، لكن هذا لم يروه غير ابن مجاهد عن قنبل فيكون وجها غريبا عن قنبل .

وألحق بهذه الأفعال : فعل فقد وفعل عدم إذا استعملا في الدعاء نحو قول القائل : فقدتني وعدمتني .

وجملة : ﴿ إن إلى ربك الرجعى ﴾ معترضة بين المقدمة والمقصد والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم أي مرجع الطاغي إلى الله ، وهذا موعظة وتهديد على سبيل التعريض لمن يسمعه من الطغاة ، وتعليم للنبيء صلى الله عليه وسلم وتثبيت له ، أي لا يحزنك طغيان الطاغي فإن مرجعه إلي ، ومرجع الطاغي إلى العذاب قال تعالى : ﴿ إن جهنم كانت مرصادا للطاغين مئابا ﴾ ( النبأ : 21 ، 22 ) وهي موعظة للطاغي بأن غناه لا يدفع عنه الموت ، والموت : رجوع إلى الله كقوله : ﴿ يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه ﴾ ( الانشقاق : 6 ) .

وفيه معنى آخر وهو أن استغناءه غير حقيقي لأنه مفتقر إلى الله في أهم أموره ولا يدري ماذا يصيره إليه ربه من العواقب فلا يزده بغنى زائف في هذه الحياة فيكون : ﴿ الرجعى ﴾ مستعملا في مجازه ، وهو الاحتياج إلى المرجوع إليه ، وتأكيد الخبر ب ( إن ) مراعى فيه المعنى التعريضي لأن معظم الطغاة ينسون هذه الحقيقة بحيث ينزلون منزلة من ينكرها .

و ﴿ الرجعى ﴾ : بضم الراء مصدر رجع على زنة فعلى مثل البشرى .

وتقديم ﴿ إلى ربك ﴾ على ﴿ الرجعى ﴾ للاهتمام بذلك .

وجملة : ﴿ أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى ﴾ إلى آخرها هي المقصود من الردع الذي أفاده حرف ﴿ كلا ﴾ ، فهذه الجملة مستأنفة استئنافا ابتدائيا متصلا باستئناف جملة : ﴿ إن الإنسان ليطغى ﴾ .

و ﴿ الذي ينهى ﴾ اتفقوا على أنه أريد به أبو جهل إذ قال قولا يريد به نهي النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي في المسجد الحرام فقال في ناديه : لئن رأيت محمدا يصلي في الكعبة لأطأن على عنقه . فإنه أراد بقوله ذلك أن يبلغ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فهو تهديد يتضمن النهي عن أن يصلي في المسجد الحرام ولم يرو أنه نهاه مشافهة .

و ﴿ أرأيت ﴾ كلمة تعجيب من حالل ، تقال للذي يعلم أنه رأى حالا عجيبة . والرؤية علمية ، أي أعلمت الذي ينهى عبدا والمستفهم عنه هو ذلك العلم ، والمفعول الثاني ل ( رأيت ) محذوف دل عليه قوله في آخر الجمل ﴿ ألم يعلم بأن الله يرى ﴾ ( العلق : 14 ) .

والاستفهام مستعمل في التعجيب لأن الحالة العجيبة من شأنها أن يستفهم عن وقوعها استفهام تحقيق وتثبيت لنبئها إذ لا يكاد يصدق به ، فاستعمال الاستفهام في التعجيب مجاز مرسل في التركيب . ومجيء الاستفهام في التعجيب كثير نحو ﴿ هل أتاك حديث الغاشية ﴾ ( الغاشية : 1 ) .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٣٠ · الصفحة ٢١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٣٠ · ص ٢١٨