ضرب على صدري يعني استحسانا ) . وأن المشركين كانوا أسفل سافلين لأنهم ضللهم كبراؤهم وأيمتهم فسولوا لهم عبادة الأصنام لينالوا قيادتهم .
استثناء متصل من عموم الإنسان فلما أخبر عن الإنسان بأنه رد أسفل سافلين ثم استثني من عمومه الذين آمنوا بقي غير المؤمنين في أسفل سافلين .
والمعنى : أن الذين آمنوابعد أن ردوا أسفل سافلين أيام الإشراك صاروا بالإيمان إلى الفطرة التي فطر الله الإنسان عليها فراجعوا أصلهم إلى أحسن تقويم .
وعطف ﴿ وعملوا الصالحات ﴾ لأن عمل الصالحات من أحسن التقويم بعد مجيء الشريعة لأنها تزيد الفطرة رسوخا وينسحب الإيمان على الأخلاق فيردها إلى فضلها ثم يهديها إلى زيادة الفضائل من أحاسنها ، وفي الحديث : ( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ) .
فكان عطف ﴿ وعملوا الصالحات ﴾ للثناء على المؤمنين بأن إيمانهم باعث لهم على العمل الصالح وذلك حال المؤمنين حين نزول السورة فهذا العطف عطف صفة كاشفة .
وليس لانقطاع الاستثناء هنا احتمال لأن وجود الفاء في قوله : ﴿ فلهم أجر غير ممنون ﴾ يأباه كل الإباية .
وفرع على معنى الاستثناء وهو أنهم ليسوا ممن يرد أسفل سافلين الإخبار بأن لهم أجرا عظيما لأن الاستثناء أفاد أنهم ليسوا بأسفل سافلين فأريد زيادة البيان لفضلهم وما أعد لهم .
وتنوين ﴿ أجر ﴾ للتعظيم .
والممنون : الذي يمن على المأجور به ، أي لهم أجر لا يشوبه كدر ، ولا كدر أن يمن على الذي يعطاه بقول : هذا أجرك ، أو هذا عطاؤك ، فالممنون مفعول
من عليه ، ويجوز أن يكون مفعولا من من الحبل ، إذا قطعه فهو منين ، أي مقطوع أو موشك على التقطع .
( 7 ، 8 )
تفريع على جميع ما ذكر من تقويم خلق الإنسان ثم رده أسفل سافلين ، لأن ما بعد الفاء من الكلام مسبب عن البيان الذي قبل الفاء ، أي فقد بان لك أن غير الذين آمنوا هم الذين ردوا إلى أسفل سافلين ، فمن يكذب منهم بالدين الحق بعد هذا البيان .
و ( ما ) يجوز أن تكون استفهامية ، والاستفهام توبيخي ، والخطاب للإنسان المذكور في قوله : ﴿ لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ﴾ ( التين : 4 ) فإنه بعد أن استثني منه الذين آمنوا بقي الإنسان المكذب .
وضمير الخطاب التفات ، ومقتضى الظاهر أن يقال : فما يكذبه . ونكتة الالتفات هنا أنه أصرح في مواجهة الإنسان المكذب بالتوبيخ .
ومعنى ﴿ يكذبك ﴾ يجعلك مكذبا ، أي لا عذر لك في تكذيبك بالدين .
ومتعلق التكذيب : إما محذوف لظهوره ، أي يجعلك مكذبا بالرسول صلى الله عليه وسلم وأما المجرور بالباء ، أي يجعلك مكذبا بدين الإسلام ، أو مكذبا بالجزاء إن حمل الدين على معنى الجزاء وجملة : ﴿ أليس الله بأحكم الحاكمين ﴾ مستأنفة للتهديد والوعيد .
و ﴿ الدين ﴾ يجوز أن يكون بمعنى الملة والشريعة ، كقوله تعالى : ﴿ إن الدين عند الله الإسلام ﴾ ( آل عمران : 19 ) وقوله : ﴿ ومن يبتغ غير الإسلام دينا ﴾ ( آل عمران : 85 ) .
وعليه تكون الباء للسببية ، أي فمن يكذبك بعد هذا بسبب ما جئت به من الدين فالله يحكم فيه . ومعنى ﴿ يكذبك ﴾ : ينسبك للكذب بسبب ما جئت به من الدين أو ما أنذرت به من الجزاء ، وأسلوب هذا التركيب مؤذن بأنهم لم يكونوا ينسبون النبي صلى الله عليه وسلم إلى الكذب قبل أن يجيئهم بهذا الدين .
ويجوز أن يكون ( الدين ) بمعنى الجزاء في الآخرة كقوله : ﴿ مالك يوم الدين ﴾ ( الفاتحة : 4 ) وقوله : ﴿ يصلونها يوم الدين ﴾ ( الانفطار : 15 ) وتكون الباء صلة ( يكذب ) كقوله : ﴿ وكذب به قومك وهو الحق ﴾ ( الأنعام : 66 ) وقوله : ﴿ قل إني على بينة من ربي وكذبتم به ﴾ ( الأنعام : 57 ) .
ويجوز أن تكون ( ما ) موصولة وما صدقها المكذب ، فهي بمعنى ( من ) ، وهي في محل مبتدإ ، والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم والضمير المستتر في ﴿ يكذبك ﴾ عائد إلى ( ما ) وهو الرابط للصلة بالموصول ، والباء للسببية ، أي ينسبك إلى الكذب بسبب ما جئت به من الإسلام أو من إثبات البعث والجزاء .