تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإذا ساورته الشهوة السيئة فزينت له ارتكاب المفاسد ولم يستطع ردها عن نفسه انصرف إلى سوء الأعمال ، وثقل عليه نصح الناصحين ، ووعظ الواعظين على مراتب في كراهية ذلك بمقدار تحكم الهوى في عقله .

ولهذا كان الأصل في الناس الخير والعدالة والرشد وحسن النية عند جمهور من الفقهاء والمحدثين .

وجملة : ﴿ ثم رددناه أسفل سافلين ﴾ معطوفة على جملة : ﴿ خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ﴾ فهي في حيز القسم .

وضمير الغائب في قوله : ﴿ رددناه ﴾ عائد إلى الإنسان فيجري فيه الوجهان المتقدمان من التعريف .

و ﴿ ثم ﴾ لإفادة التراخي الرتبي كما هو شأنها في عطف الجمل ، لأن الرد أسفل سافلين بعد خلقه محوطا بأحسن تقويم عجيب لما فيه من انقلاب ما جبل عليه ، وتغيير الحالة الموجودة أعجب من إيجاد حالة لم تكن ، ولأن هذه الجملة هي المقصود من الكلام لتحقيق أن الذين حادوا عن الفطرة صاروا أسفل سافلين .

والمعنى : ولقد صيرناه أسفل سافلين ، أو جعلناه في أسفل سافلين .

والرد حقيقته إرجاع ما أخذ من شخص أو نقل من موضع إلى ما كان عنده ، ويطلق الرد مجازا على تصيير الشيء بحالة غير الحالة التي كانت له مجازا مرسلا بعلاقة الإطلاق عن التقييد كما هنا .

و ﴿ أسفل ﴾ : اسم تفضيل ، أي أشد سفالة ، وأضيف إلى ﴿ سافلين ﴾ ، أي الموصوفين بالسفالة . فالمراد : أسفل سافلين في الإعتقاد بخالقه بقرينة قوله : ﴿ إلا الذين آمنوا ﴾ ( التين : 6 ) .

وحقيقة السفالة : انخفاض المكان ، وتطلق مجازا شائعا على الخسة والحقارة في النفس ، فالأسفل الأشد سفالة من غيره في نوعه .

والسافلون : هم سفلة الإعتقاد ، والإشراك أسفل الإعتقاد فيكون ﴿ أسفل سافلين ﴾ مفعولا ثانيا ل ﴿ رددناه ﴾ لأنه أجري مجرى أخوات صار .

والمعنى : أن الإنسان أخذ يغير ما فطر عليه من التقويم وهو الإيمان بإلاه واحد وما يقتضيه ذلك من تقواه ومراقبته فصار أسفل سافلين ، وهل أسفل ممن يعتقد إلاهية الحجارة والحيوانن الأبكم من بقر أو تماسيح أو ثعابين أو من شجر السمر ،

أو من يحسب الزمان إلاها ويسميه الدهر ، أو من يجحد وجود الصانع وهو يشاهد مصنوعاته ويحس بوجود نفسه قال تعالى : ﴿ وفي أنفسكم أفلا تبصرون ﴾ ( الذاريات : 21 ) .

فإن ملت إلى جانب الأخلاق رأيت الإنسان يبلغ به انحطاطه إلى حضيض التسفل ، فمن ملق إذا طمع ، ومن شح إذا شجع ، ومن جزع إذا خاف ، ومن هلع ، فكم من نفوس جعلت قرابين للآلهة ، ومن أطفال موءودة ، ومن أزواج مقذوفة في النار مع الأموات من أزواجهن ، فهل بعد مثل هذا من تسفل في الأخلاق وأفن الرأي .

وإسناد الرد إلى الله تعالى إسناد مجازي لأنه يكون الأسباب العالية ونظام تفاعلها وتقابلها في الأسباب الفرعية ، حتى تصل إلى الأسباب المباشرة على نحو إسناد مد وقبض الظل إليه تعالى في قوله : ﴿ ألم تر إلى ربك كيف مد الظل إلى قوله : ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا ﴾ ( الفرقان : 45 ، 46 ) وعلى نحو الإسناد في قول الناس : بنى الأمير مدينة كذا .

ويجوز أن يكون ﴿ أسفل سافلين ﴾ ظرفا ، أي مكانا أسفل ما يسكنه السافلون ، فإضافة ﴿ أسفل ﴾ إلى ﴿ سافلين ﴾ من إضافة الظرف إلى الحال فيه ، وينتصب ﴿ أسفل ﴾ ب ﴿ رددناه ﴾ انتصاب الظرف أو على نزع الخافض ، أي إلى أسفل سافلين ، وذلك هو دار العذاب كقوله : ﴿ إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ﴾ ( النساء : 145 ) فالرد مستعار لمعنى الجعل في مكان يستحقه ، وإسناد الرد إلى الله تعالى على هذا الوجه حقيقي .

وأحسب أن قوله تعالى : ﴿ ثم رددناه أسفل سافلين ﴾ انتزع منه مالك رحمه الله ما ذكره عياض في ( المدارك ) قال : قال ابن أبي أويس : قال مالك : أقبل علي يوما ربيعة فقال لي : من السفلة يا مالك ؟ قلت : الذي يأكل بدينه ، قال لي : فمن سفلة السفلة ؟ قلت : الذي يأكل غيره بدينه . فقال : ( زه ) وصدرني ( أي

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٣٠ · الصفحة ٢١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٣٠ · ص ٢١٠