عليه وحي من هذا أكسبه شرحا لصدره ، وكان لحماية أبي طالب إياه وصده قريشا عن أذاه منفس عنه ، وأقوى مؤيد له لدعوته ينشرح له صدره . وكلما آمن أحد من الناس تزحزح بعض الضيق عن صدره ، وكانت شدة قريش على المؤمنين يضيق لها صدره فكلما خلص بعض المؤمنين من أذى قريش بنحو عتق الصديق بلالا وغيره ، وبما بشره الله من عاقبة النصر له وللمؤمنين تصريحا وتعريضا نحو قوله في السورة قبلها : ﴿ ولسوف يعطيك ربك فترضى ﴾ ( الضحى : 5 ) فذلك من الشرح المراد هنا . وجماع القول في ذلك أن تجليات هذا الشرح عديدة وأنها سر بين الله تعالى وبين رسوله صلى الله عليه وسلم المخاطب بهذه الآية .
وأما وضع الوزر عنه فحاصل بأمرين : بهدايته إلى الحق التي أزالت حيرته بالتفكر في حال قومه وهو ما أشار إليه قوله تعالى : ﴿ ووجدك ضالا فهدى ﴾ ( الضحى : 7 ) وبكفايته مؤنة كلف عيشه التي قد تشغله عما هو فيه من الأنس بالفكرة في صلاح نفسه ، وهو ما أشار إليه قوله : ﴿ ووجدك عائلا فأغنى ﴾ ( الضحى : 8 ) .
ورفع الذكر مجاز في إلهام الناس لأن يذكروه بخير ، وذلك بإيجاد أسباب تلك السمعة حتى يتحدث بها الناس ، استعير الرفع لحسن الذكر لأن الرفع جعل الشيء عاليا لا تناله جميع الأيدي ولا تدوسه الأرجل . فقد فطر الله رسوله صلى الله عليه وسلم على مكارم يعز وجود نوعها ولم يبلغ أحد شأو ما بلغه منها حتى لقب في قومه بالأمين . وقد قيل إن قوله تعالى : ﴿ إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين ﴾ ( التكوير : 19 21 ) مراد به النبي صلى الله عليه وسلم
ومن عظيم رفع ذكره أن اسمه مقترن باسم الله تعالى في كلمة الإسلام وهي كلمة الشهادة .
وروي هذا التفسير عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي سعيد الخدري عند ابن حبان وأبي يعلى قال السيوطي : وإسناده حسن ، وأخرجه عياض في ( الشفاء ) بدون سند . والقول في ذكر كلمة ﴿ لك ﴾ مع ﴿ ورفعنا ﴾ كالقول في ذكر نظيرها مع قوله : ﴿ ألم نشرح ﴾ .
وإنما لم يذكر مع ﴿ ووضعنا عنك وزرك ﴾ بأن يقال : ووضعنا لك وزرك للاستغناء بقوله : ﴿ عنك ﴾ فإنه في إفادة الإبهام ثم التفصيل مساو لكلمة ﴿ لك ﴾ ،
وهي في إفادة العناية به تساوي كلمة ﴿ لك ﴾ ، لأن فعل الوضع المعدى إلى الوزر يدل على أن الوضع عنه فكانت زيادة ﴿ عنك ﴾ إطنابا يشيرإلى أن ذلك عناية به نظير قوله : ﴿ لك ﴾ الذي قبله ، فحصل بذكر ﴿ عنك ﴾ إيفاء إلى تعدية فعل ﴿ وضعنا ﴾ مع الإيفاء بحق الإبهام ثم البيان .
( 5 6 )
الفاء فصيحة تفصح عن كلام مقدر يدل عليه الاستفهام التقريري هنا ، أي إذا علمت هذا وتقرر ، تعلم أن اليسر مصاحب للعسر ، وإذ كان اليسر نقيض العسر كانت مصاحبة اليسر للعسر مقتضية نقض تأثير العسر ومبطلة لعمله ، فهو كناية رمزية عن إدراك العناية الإلاهية به فيما سبق ، وتعريض بالوعد باستمرار ذلك في كل أحواله .
وسياق الكلام وعد للنبيء صلى الله عليه وسلم بأن ييسر الله له المصاعب كلما عرضت له ، فاليسر لا يتخلف عن اللحاق بتلك المصاعب ، وذلك من خصائص كلمة ﴿ مع ﴾ الدالة على المصاحبة .
وكلمة ﴿ مع ﴾ هنا مستعملة في غير حقيقة معناها لأن العسر واليسر نقيضان فمقارنتهما معا مستحيلة ، فتعين أن المعية مستعارة لقرب حصول اليسر عقب حلول العسر أو ظهور بوادره ، بقرينة استحالة المعنى الحقيقي للمعية . وبذلك يندفع التعارض بين هذه الآية وبين قوله تعالى : { سيجعل الله بعد عسر يسرا في سورة الطلاق .
فهذه الآية في عسر خاص يعرض للنبيء ، وآية سورة الطلاق عامة ، وللبعدية فيها مراتب متفاوتة .
فالتعريف في العسر } تعريف العهد ، أي العسر الذي عهدته وعلمته وهو من قبيل ما يسميه نحاة الكوفة بأن ( ال ) فيه عوض عن المضاف إليه نحو قوله تعالى : ﴿ فإن الجنة هي المأوى ﴾ ( النازعات : 41 ) أي فإن مع عسرك يسرا ، فتكون السورة كلها مقصورة على بيان كرامة النبي صلى الله عليه وسلم عند ربه تعالى .