تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واللام في قوله : ﴿ لك ﴾ لام التعليل ، وهو يفيد تكريما للنبيء صلى الله عليه وسلم بأن الله فعل ذلك لأجله .

وفي ذكر الجار والمجرور قبل ذكر المشروح سلوك طريقة الإبهام للتشويق فإنه لما ذكر فعل ﴿ نشرح ﴾ علم السامع أن ثم مشروحا ، فلما وقع قوله : ﴿ لك ﴾ قوي الإبهام فازداد التشويق ، لأن ﴿ لك ﴾ يفيد معنى شيئا لأجلك فلما وقع بعده قوله :

( صدره ) تعين المشروح المترقب فتمكن في الذهن كمال تمكن ، وهذا ما أشار إليه في ( الكشاف ) وقفي عليه صاحب ( المفتاح ) في مبحث الإطناب .

والوزر : الحرج ، ووضعه : حطه عن حامله ، والكلام تمثيل لحال إزالة الشدائد والكروب بحال من يحط ثقلا عن حامله ليريحه من عناء الثقل .

والمعنى : أن الله أزال عنه كل ما كان يتحرج منه من عادات أهل الجاهلية التي لا تلائم ما فطر الله عليه نفسه من الزكاة والسمو ولا يجد بدا من مسايرتهم عليه فوضع عنه ذلك حين أوحى إليه بالرسالة ، وكذلك ما كان يجده في أول بعثته من ثقل الوحي فيسره الله عليه بقوله : ﴿ سنقرئك فلا تنسى ﴾ إلى قوله : ﴿ ونيسرك لليسرى ﴾ ( الأعلى : 6 8 ) .

و ﴿ أنقض ﴾ جعل الشيء ذا نقيض ، والنقيض صوت صرير المحمل والرحل وصوت عظام المفاصل ، وفرقعة الأصابع ، وفعله القاصر من باب نصر ويعدى بالهمزة .

وإسناد ﴿ أنقض ﴾ إلى الوزر مجاز عقلي ، وتعديته إلى الظهر تبع لتشبيه المشقة بالحمل ، فالتركيب تمثيل لمتجشم المشاقق الشديدة ، بالحمولة المثقلة بالإجمال تثقيلا شديدا حتى يسمع لعظام ظهرها فرقعة وصرير . وهو تمثيل بديع لأنه تشبيه مركب قابل لتفريق التشبيه على أجزائه .

ووصف الوزر بهذا الوصف تكميل للتمثيل بأنه وزر عظيم .

واعلم أن في قوله : ﴿ أنقض ظهرك ﴾ اتصال حرفي الضاد والظاء وهما متقاربا المخرج فربما يحصل من النطق بهما شيء من الثقل على اللسان ولكنه لا ينافي الفصاحة إذ لا يبلغ مبلغ ما يسمى بتنافر الكلماتت بل مثله مغتفر في كلام الفصحاء . والعرب فصحاء الألسن فإذا اقتضى نظم الكلام ورود مثل هذين الحرفين المتقاربين لم يعبأ البليغ بما يعرض عند اجتماعهما من بعض الثقل ، ومثل ذلك قوله تعالى : ﴿ وسبحه ﴾ ( الإنسان : 26 ) في اجتماع الحاء مع الهاء ، وذلك حيث لا يصح الإدغام . وقد أوصى علماء التجويد بإظهار الضاد مع الظاء إذا تلاقيا كما في هذه الآية وقوله : ﴿ ويوم يعض الظالم ﴾ ( الفرقان : 27 ) ولها نظائر في القرآن .

وهذه الآية هي المشتهرة ولم يزل الأيمة في المساجد يتوخون الحذر من إبدال أحد هذين الحرفين بالآخر للخلاف الواقع بين الفقهاء في بطلان صلاة اللحان ومن لا يحسن القراءة مطلقا أو إذا كان عامدا إذا كان فذا وفي بطلان صلاة من خلفه أيضا إذا كان اللاحن إماما .

ورفع الذكر : جعل ذكره بين الناس بصفات الكمال ، وذلك بما نزل من القرآن ثناء عليه وكرامة . وبإلهام الناس التحدث بما جبله الله عليه من المحامد منذ نشأته .

وعطف ﴿ ووضعنا ﴾ و ﴿ رفعنا ﴾ بصيغة المضي على فعل ﴿ نشرح ﴾ بصيغة المضارع لأن ( لم ) قلبت زمن الحال إلى المضي فعطف عليه الفعلان بصيغة المضي لأنهما داخلان في حيز التقرير فلما لم يقترن بهما حرف ( لم ) صير بهما إلى ما تفيده ( لم ) من معنى المضي .

والآية تشير إلى أحوال كان النبي صلى الله عليه وسلم في حرج منها أو من شأنه أن يكون في حرج ، وأن الله كشف عنه ما به من حرج منها أو هيأ نفسه لعدم النوء بها .

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمها كما أشعر به إجمالها في الاستفهام التقريري المقتضي علم المقرر بما قرر عليه ، ولعل تفصيلها فيما سبق في سورة الضحى فلعلها كانت من أحوال كراهيته ما عليه أهل الجاهلية من نبذ توحيد الله ومن مساوي الأعمال .

وكان في حرج من كونه بينهم ولا يستطيع صرفهم عما هم فيه ولم يكن يترقب طريقها لأن يهديهم أو لم يصل إلى معرفة كنه الحق الذي يجب أن يكون قومه عليه ولم يطمع إلا في خويصة نفسه يود أن يجد لنفسه قبس نور يضيء له سبيل الحق مما كان باعثا له على التفكر والخلوة والالتجاء إلى الله ، فكان يتحنث في غار حراء فلما انتشله الله من تلك الوحلة بما أكرمه به من الوحي كان ذلك شرحا مما كان يضيق به صدره يومئذ ، فانجلى له النور ، وأمر بإنقاذ قومه وقد يظنهم طلاب حق وأزكياء نفوس فلما قابلوا إرشاده بالإعراض وملاطفته لهم بالامتعاض ، حدث في صدره ضيق آخر أشار إلى مثل قوله تعالى : ﴿ لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين ﴾ ( الشعراء : 3 ) وذلك الذي لم يزل ينزل عليه في شأنه ربط جأشه بنحو قوله تعالى : ﴿ ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء ﴾ ( البقرة : 272 ) فكلما نزل

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٣٠ · الصفحة ٢٠٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٣٠ · ص ٢٠٢