ولفظ ﴿ عم ﴾ مركب من كلمتين هما حرف ( عن ) الجار و ( ما ) التي هي اسم استفهام بمعنى : أي شيء ، ويتعلق ﴿ عم ﴾ بفعل ﴿ يتساءلون ﴾ فهذا مركب . وأصل ترتيبه : يتسآءلون عن ما ، فقدم اسم الاستفهام لأنه لا يقع إلا في صدر الكلام المستفهم به ، وإذ قد كان اسم الاستفهام مقترنا بحرف الجر الذي تعدى به الفعل إلى اسم الاستفهام وكان الحرف لا ينفصل عن مجروره قدما معا فصار ﴿ عما يتساءلون ﴾ .
وقد جرى الاستعمال الفصيح على أن ( ما ) الاستفهامية إذا دخل عليها حرف الجر يحذف الألف المختومة هي به تفرقة بينها وبين ( ما ) الموصولة .
وعلى ذلك جرى استعمال نطقهم ، فلما كتبوا المصاحف جروا على تلك التفرقة في النطق فكتبوا ( ما ) الاستفهامية بدون ألف حيثما وقعت مثل قوله تعالى : ﴿ فيم أنت من ذكراها ﴾ ( النازعات : 43 ) ﴿ فبم تبشرون ﴾ ( الحجر : 54 ) ﴿ لم أذنت لهم ﴾ ( التوبة : 43 ) ﴿ عم يتساءلون ﴾ ﴿ مم خلق ﴾ ( الطارق : 5 ) فلذلك لم يقرأها أحد بإثبات الألف إلا في الشاذ .
ولما بقيت كلمة ( ما ) بعد حذف ألفها على حرف واحد جروا في رسم المصحف على أن ميمها الباقية تكتب متصلة بحرف ( عن ) لأن ( ما ) لما حذف ألفها بقيت على حرف واحد فأشبه حروف التهجي ، فلما كان حرف الجر الذي قبل ( ما ) مختوما بنون والتقتت النون مع ميم ( ما ) ، والعرب ينطقون بالنون الساكنة التي بعدها ميم ميما ويدغمونها فيها ، فلما حذفت النون في النطق جرى رسمهم على كتابة الكلمة محذوفة النون تبعا للنطق ، ونظيره قوله تعالى : ﴿ مم خلق ﴾ وهو اصطلاح حسن .
والتساؤل : تفاعل وحقيقة صيغة التفاعل تفيد صدور معنى المادة المشتقة منها من الفاعل إلى المفعول وصدور مثله من المفعول إلى الفاعل ، وترد كثيرا لإفادة تكرر وقوع ما اشتقت منه نحو قولهم : ساءل ، بمعنى : سأل ، قال النابغة :
أسائل عن سعدى وقد مر بعدنا
على عرصات الدار سبع كوامل
وقال رويشد بن كثير الطائي :
يا أيها الراكب المزجي مطيته
سائل بني أسد ما هذه الصوت
وتجيء لإفادة قوة صدور الفعل من الفاعل نحو قولهم : عافاك الله ، وذلك إما كناية أو مجاز ومحمله في الآية على جواز الاحتمالات الثلاثة وذلك من إرادة المعنى الكنائي مع المعنى الصريح ، أو من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه ، وكلا الاعتبارين صحيح في الكلام البليغ فلا وجه لمنعه .
فيجوز أن تكون مستعملة في حقيقتها بأن يسأل بعضهم بعضا سؤال متطلع للعلم لأنهم حينئذ لم يزالوا في شك من صحة ما أنبئوا به ثم استقر أمرهم على الإنكار .
ويجوز أن تكون مستعملة في المجاز الصوري يتظاهرون بالسؤال وهم موقنون بانتفاء وقوع ما يتساءلون عنه على طريقة استعمال فعل ( يحذر ) في قوله تعالى : ﴿ يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة ﴾ ( التوبة : 64 ) فيكونون قصدوا بالسؤال الاستهزاء .
وذهب المفسرون فريقين في كلتا الطريقتين يرجح كل فريق ما ذهب إليه . والوجه حمل الآية على كلتيهما لأن المشركين كانوا متفاوتين في التكذيب ، فعن ابن عباس : ( لما نزل القرآن كانت قريش يتحدثون فيما بينهم فمنهم مصدق ومنهم مكذب ) .
وعن الحسن وقتادة مثل قول ابن عباس ، وقيل : هو سؤال استهزاء أو تعجب وإنما هم موقنون بالتكذيب .
فأما التساؤل الحقيقي فأن يسأل أحد منهم غيره عن بعض أحوال هذا النبأ فيسأل المسؤول سائله سؤالا عن حال آخر من أحوال النبأ ، إذ يخطر لكل واحد في ذلك خاطر غير الذي خطر للآخر فيسأل سؤال مستثبت ، أو سؤال كشف عن معتقده ، أو ما يوصف به المخبر بهذا النبأ كما قال بعضهم لبعض : ﴿ أفترى على الله كذبا أم به جنة ﴾ ( سبأ : 8 ) وقال بعض آخر : ﴿ أئذا كنا ترابا وآباؤنا أئنا لمخرجون ﴾ إلى قوله : ﴿ إن هذا إلا أساطير الأولين ﴾ ( النمل : 67 ، 68 ) .