تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فاللام في ( الآخرة ) و ﴿ الأولى ﴾ لام الجنس ، أي كل آجل أمره هو خير من عاجله في هذه الدنيا وفي الأخرى .

واللام في قوله : ﴿ لك ﴾ لام الاختصاص ، أي خير مختص بك وهو شامل لكل ما له تعلق بنفس النبي صلى الله عليه وسلم في ذاته وفي دينه وفي أمته ، فهذا وعد من الله بأن ينشر دين الإسلام وأن يمكن أمته من الخيرات التي يأملها النبي صلى الله عليه وسلم لهم . وقد

روى الطبراني والبيهقي في ( دلائل النبوءة ) عن ابن عباس قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عرض علي ما هو مفتوح لأمتي بعدي فسرني فأنزل الله تعالى : ﴿ وللآخرة خير لك من الأولى ﴾ .

هو كذلك عطف على جملة القسم كلها وحرف الاستقبال لإفادة أن هذا العطاء الموعود به مستمر لا ينقطع كما تقدم في قوله تعالى : { قال سوف أستغفر لكم ربي في سورة يوسف وقوله : ولسوف يرضى في سورة الليل .

وحذف المفعول الثاني ليعطيك } ليعم كل ما يرجوه صلى الله عليه وسلم من خير لنفسه ولأمته فكان مفاد هذه الجملة تعميم العطاء كما أفادت الجملة قبلها تعميم الأزمنة .

وجيء بفاء التعقيب في ﴿ فترضى ﴾ لإفادة كون العطاء عاجل النفع بحيث يحصل به رضى المعطى عند العطاء فلا يترقب أن يحصل نفعه بعد تربص .

وتعريف ﴿ ربك ﴾ بالإضافة دون اسم الله العلم لما يؤذن به لفظ ( رب ) من الرأفة واللطف ، وللتوسل إلى إضافته إلى ضمير المخاطب لما في ذلك من الإشعار بعنايته برسوله وتشريفه بإضافة رب إلى ضميره .

وهو وعد واسع الشمول لما أعطيه النبي صلى الله عليه وسلم من النصر والظفر بأعدائه يوم بدر ويوم فتح مكة ، ودخول الناس في الدين أفواجا وما فتح على الخلفاء الراشدين ومن بعدهم من أقطار الأرض شرقا وغربا .

واعلم أن اللام في ﴿ وللآخرة خير ﴾ ( الضحى : 4 ) وفي ﴿ ولسوف يعطيك ﴾ جزم صاحب ( الكشاف ) بأنه لام الابتداء وقدر مبتدأ محذوفا . والتقدير : ولأنت سوف يعطيك ربك . وقال : إن لام القسم لا تدخل على المضارع إلا مع نون التوكيد وحيث تعين أن اللام لام الابتداء ولام الابتداء لا تدخل إلا على جملة من مبتدأ وخبر تعين تقدير المبتدأ . واختار ابن الحاجب أن اللام في ﴿ ولسوف يعطيك ربك ﴾ لام التوكيد ( يعني لام جواب القسم ) . ووافقه ابن هشام في ( مغني اللبيب ) وأشعر كلامه

أن وجود حرف التنفيس مانع من لحاق نون التوكيد ولذلك تجب اللام في الجملة . وأقول في كون وجود حرف التنفيس يوجب كون اللام لام جواب قسم محل نظر .

( 6 8 )

استئناف مسوق مساق الدليل على تحقق الوعد ، أي هو وعد جار على سنن ما سبق من عناية الله بك من مبدإ نشأتك ولطفه في الشدائد باطراد بحيث لا يحتمل أن يكون ذلك من قبيل الصدف لأن شأن الصدف أن لا تتكرر فقد علم أن اطراد ذلك مراد لله تعالى .

والمقصود من هذا إيقاع اليقين في قلوب المشركين بأن ما وعده الله به محقق الوقوع قياسا على ما ذكره به من ملازمة لطفه به فيما مضى وهم لا يجهلون ذلك عسى أن يقلعوا عن العناد ويسرعوا إلى الإيمان وإلا فإن ذلك مساءة تبقى في نفوسهم وأشباح رعب تخالج خواطرهم . ويحصل مع هذا المقصود امتنان على النبي صلى الله عليه وسلم وتقوية لاطمئنان نفسه بوعد الله تعالى إياه .

والاستفهام تقريري ، وفعل ﴿ يجدك ﴾ مضارع وجد بمعنى ألفى وصادف ، وهوالذي يتعدى إلى مفعول واحد ومفعوله ضمير المخاطب . و ﴿ يتيما ﴾ حال ، وكذلك ﴿ ضالا ﴾ و ﴿ عائلا ﴾ . والكلام تمثيل لحالة تيسير المنافع للذي تعسرت عليه بحالة من وجد شخصا في شدة يتطلع إلى من يعينه أو يغيثه .

واليتيم : الصبي الذي مات أبوه وقد كان أبو النبي صلى الله عليه وسلم توفي وهو جنين أو في أول المدة من ولادته .

والإيواء : مصدر أوى إلى البيت ، إذا رجع إليه ، فالإيواء : الإرجاع إلى المسكن ، فهمزته الأولى همزة التعدية ، أي جعله آويا ، وقد أطلق الإيواء على الكفالة وكفاية الحاجة مجازا أو استعارة ، فالمعنى أنشأك على كمال الإدراك والاستقامة وكنت على تربية كاملة مع أن شأن الأيتام أن ينشأوا على نقائص لأنهم لا يجدون من يعنى بتهذيبهم وتعهد أحوالهم الخلقية . وفي الحديث ( أدبني ربي فأحسن تأديبي ) فكان تكوين نفسه الزكية على الكمال خيرا من تربية الأبوين .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٣٠ · الصفحة ١٩٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٣٠ · ص ١٩٧