وقد عطف عليه : ﴿ وما قلى ﴾ للإتيان على إبطال مقالتي المشركين إذ قال بعضهم : ودعه ربه ، وقال بعضهم : قلاه ربه ، يريدون التهكم .
وجملة : ﴿ وما قلى ﴾ عطف على جملة جواب القسم ولها حكمها .
والقلي ( بفتح القاف مع سكون اللام ) والقلى ( بكسر القاف مع فتح اللام ) : البغض الشديد ، وسبب مقالة المشركين تقدم في صدر السورة .
والظاهر أن هذه السورة نزلت عقب فترة ثانية فتر فيها الوحي بعد الفترة التي نزلت إثرها سورة المدثر ، فعن ابن عباس وابن جريج : ( احتبس الوحي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسة عشر يوما أو نحوها . فقال المشركون : إن محمدا ودعه ربه وقلاه ، فنزلت الآية ) .
واحتباس الوحي عن النبي صلى الله عليه وسلم وقع مرتين :
أولاهما : قبل نزول سورة المدثر أو المزمل ، أي بعد نزول سورتين من القرآن أو ثلاث على الخلاف في الأسبق من سورتي المزمل والمدثر ، وتلك الفترة هي التي خشي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون قد انقطع عنه الوحي ، وهي التي رأى عقبها جبريل على كرسي بين السماء والأرض كما تقدم في تفسير سورة المدثر ، وقد قيل : إن مدة انقطاع الوحي في الفترة الأولى كانت أربعين يوما ولم يشعر بها المشركون لأنها كانت في مبدإ نزول الوحي قبل أن يشيع الحديث بينهم فيه وقبل أن يقوم النبي صلى الله عليه وسلم بالقرآن ليلا .
وثانيتهما : فترة بعد نزول نحو من ثمانن سور ، أي السور التي نزلت بعد الفترة الأولى فتكون بعد تجمع عشر سور ، وبذلك تكون هذه السورة حادية عشرة فيتوافق ذلك مع عددها في ترتيب نزول السور .
والاختلاف في سبب نزول هذه السورة يدل على عدم وضوحه للرواة ، فالذي نظنه أن احتباس الوحي في هذه المرة كان لمدة نحو من اثني عشر يوما وأنه ما كان إلا للرفق بالنبي صلى الله عليه وسلم كي تستجم نفسه وتعتاد قوته تحمل أعباء الوحي إذ كانت الفترة الأولى أربعين يوما ثم كانت الثانية اثني عشر يوما أو نحوها ، فيكون نزول سورة الضحى هو النزول الثالث ، وفي المرة الثالثة يحصل الارتياض في الأمور الشاقة ولذلك يكثر الأمر بتكرر بعض الأعمال ثلاثا ، وبهذا الوجه يجمع بين مختلف الأخبار في سبب نزول هذه السورة وسبب نزول سورة المدثر .
وحذف مفعول ﴿ قلى ﴾ لدلالة ﴿ ودعك ﴾ عليه كقوله تعالى : { والذاكرين
الله كثيرا والذاكرات } ( الأحزاب : 35 ) وهو إيجاز لفظي لظهور المحذوف ومثله قوله : ﴿ فآوى ﴾ ( الضحى : 6 ) ، ف ﴿ هدى ﴾ ( الضحى : 7 ) ﴿ فأغنى ﴾ ( الضحى : 8 ) .
عطف على جملة : ﴿ والضحى ﴾ ( الضحى : 1 ) فهو كلام مبتدأ به ، والجملة معطوفة على الجمل الابتدائية وليست معطوفة على جملة جواب القسم بل هي ابتدائية فلما نفي القلى بشر بأن آخرته خير من أولاه ، وأن عاقبته أحسن من بدأته ، وأن الله خاتم له بأفضل مما قد أعطاه في الدنيا وفي الآخرة .
وما في تعريف ( الآخرة ) و ﴿ الأولى ﴾ من التعميم يجعل معنى هذه الجملة في معنى التذييل الشامل لاستمرار الوحي وغير ذلك من الخير .
والآخرة : مؤنث الآخر ، و ﴿ الأولى ﴾ : مؤنث الأول ، وغلب لفظ الآخرة في اصطلاح القرآن على الحياة الآخرة وعلى الدار الآخرة كما غلب لفظ الأولى على حياة الناس التي قبل انخرام هذا العالم ، فيجوز أن يكون المراد هنا من كلا اللفظين كلا معنييه فيفيد أن الحياة الآخرة خير له من هذه الحياة العاجلة تبشيرا له بالخيرات الأبدية ، ويفيد أن حالاته تجري على الانتقال من حالة إلى أحسن منها ، فيكون تأنيث الوصفين جاريا على حالتي التغليب وحالتي التوصيف ، ويكون التأنيث في هذا المعنى الثاني لمراعاة معنى الحالة .
ويومىء ذلك إلى أن عودة نزول الوحي عليه هذه المرة خير من العودة التي سبقت ، أي تكفل الله بأن لا ينقطع عنه نزول الوحي من بعد .