تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد عرف آنفا أن المشأمة منزلة الإهانة والغضب ، ولذلك أتبع بقوله : ﴿ عليهم نار مؤصدة ﴾ .

وضمير الفصل في قوله : ﴿ هم أصحاب المشأمة ﴾ لتقوية الحكم وليس للقصر ، إذ قد استفيد القصر من ذكر الجملة المضادة للتي قبلها وهي ﴿ أولئك أصحاب الميمنة ﴾ .

و ﴿ مؤصدة ﴾ اسم مفعول من أوصد الباب بالواو . ويقال : أأصد بالهمز وهما لغتان ، قيل : الهمز لغة قريش وقيل : معناه جعله وصيدة . والوصيدة : بيت يتخذ من الحجارة في الجبال لحفظ الإبل . فقرأ الجمهور : ﴿ موصدة ﴾ بواو ساكنة بعد الميم من أوصد بالواو ، وقرأه أبو عمرو وحمزة وحفص عن عاصم ويعقوب وخلف بهمزة ساكنة بعد الميم من ءاصد الباب ، بهمزتين بمعنى وصده .

وجملة : ﴿ عليهم نار موصدة ﴾ بدل اشتمال من جملة ﴿ هم أصحاب المشأمة ﴾ أو استئناف بياني ناشىء عن الإخبار عنهم بأنهم أصحاب المشأمة .

و ﴿ عليهم ﴾ متعلق ب ﴿ مؤصدة ﴾ ، وقدم على عامله للاهتمام بتعلق الغلق عليهم تعجيلا للترهيب .

وقد استتب بهذا التقديم رعاية الفواصل بالهاء ابتداء من قوله : ﴿ فلا اقتحم العقبة ﴾ ( البلد : 11 ) .

وإسناد الموصدية إلى النار مجاز عقلي ، والموصد هو موضع النار ، أي جهنم .

| 1 ( سورة الشمس ) 1

سميت هذه السورة في المصاحف وفي معظم كتب التفسير ( سورة الشمس ) بدون واو وكذلك عنونها الترمذي في جامعه بدون واو في نسخ صحيحه من ( جامع الترمذي ) ومن ( عارضة الأحوذي ) لابن العربي .

وعنونها البخاري سورة ( والشمس وضحاها ) بحكاية لفظ الآية ، وكذلك سميت في بعض التفاسير وهو أولى أسمائها لئلا تلتبس على القارىء بسورة إذا الشمس كورت المسماة سورة التكوير .

ولم يذكرها في ( الإتقان ) مع السور التي لها أكثر من اسم .

وهي مكية بالاتفاق .

وعدت السادسة والعشرين في عدد نزول السور نزلت بعد سورة القدر ، وقبل سورة البروج .

وآياتها خمس عشرة آية في عدد جمهور الأمصار ، وعدها أهل مكة ست عشرة آية .

أغراضها

تهديد المشركين بأنهم يوشك أن يصيبهم عذاب بإشراكهم وتكذيبهم برسالة محمد صلى الله عليه وسلم كما أصاب ثمودا بإشراكهم وعتوهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي دعاهم إلى التوحيد .

وقدم لذلك تأكيد الخبر بالقسم بأشياء معظمة وذكر من أحوالها ما هو دليل

على بديع صنع الله تعالى الذي لا يشاركه فيه غيره فهو دليل على أنه المنفرد بالإلاهية والذي لا يستحق غيره الإلاهية وخاصة أحوال النفوس ومراتبها في مسالك الهدى والضلال والسعادة والشقاء .

| 2 ( ﴿ والشمس وضحاها * والقمر إذا تلاها * والنهار إذا جلاها * واليل إذا يغشاها * والسمآء وما بناها * والارض وما طحاها * ونفس وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها * قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها * كذبت ثمود بطغواهآ * إذ انبعث أشقاها * فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها * فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها * ولا يخاف عقباها ﴾ ) 2

القسم لتأكيد الخبر ، والمقصود بالتأكيد هو ما في سوق الخبر من التعريض بالتهديد والوعيد بالاستئصال .

والواوات الواقعة بعد الفواصل واوات قسم .

وكل من الشمس ، والقمر والسماء والأرض ، ونفس الإنسان ، من أعظم مخلوقات الله ذاتا ومعنى الدالة على بديع حكمته وقوي قدرته .

وكذلك كل من الضحى ، وتلو القمر الشمس والنهار ، والليل من أدق النظام الذي جعله الله تعالى .

والضحى : وقت ارتفاع الشمس عن أفق مشرقها ، وظهور شعاعها ، وهو الوقت الذي ترتفع فيه الشمس متجاوزة مشرقها بمقدار ما يخيل للناظر أنه طول رمح .

ومهد لذلك بالتنبيه على أن تزكية النفس سبب الفلاح ، وأن التقصير في إصلاحها سبب الفجور والخسران .

والتلو : التبع وأريد به خلف ضوئه في الليل ضوء الشمس ، أي إذا ظهر بعد مغيبها فكأنه يتبعها في مكانها ، وهذا تلو مجازي . والقمر يتبع الشمس في أحوال كثيرة منها استهلاله ، فالهلال يظهر للناظرين عقب غروب الشمس ثم يبقى كذلك ثلاث ليال ، وهو أيضا يتلو الشمس حين يقارب الابتدار وحين يصير

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٣٠ · الصفحة ١٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٣٠ · ص ١٨٢