وحذف متعلق آمنوا } للعلم به أي آمنوا بالله وحده وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم ودين الإسلام . فجعل الفعل كالمستغني عن المتعلق .
وأيضا ليتأتى من ذكر الذين آمنوا تخلص إلى الثناء عليهم بقوله : ﴿ وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة ﴾ ولبشارتهم بأنهم أصحاب الميمنة .
وخص بالذكر من أوصاف المؤمنين تواصيهم بالصبر وتواصيهم بالمرحمة لأن ذلك أشرف صفاتهم بعد الإيمان ، فإن الصبر ملاك الأعمال الصالحة كلها لأنها لا تخلو من كبح الشهوة النفسانية وذلك من الصبر .
والمرحمة ملاك صلاح الجامعة الإسلامية قال تعالى : ﴿ رحماء بينهم ﴾ ( الفتح : 29 ) .
والتواصي بالرحمة فضيلة عظيمة ، وهو أيضا كناية عن اتصافهم بالمرحمة لأن من يوصي بالمرحمة هو الذي عرف قدرها وفضلها ، فهو يفعلها قبل أن يوصي بها ، كما تقدم في قوله تعالى : ﴿ ولا تحضون على طعام المسكين ﴾ ( الفجر : 18 ) .
وفيه تعريض بأن أهل الشرك ليسوا من أهل الصبر ولا من أهل المرحمة ، وقد صرح بذلك في قوله تعالى : ﴿ ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين إلى قوله : وما يلقاها إلا الذين صبروا ﴾ ( فصلت : 33 35 ) وقوله : ﴿ بل لا تكرمون اليتيم ولا تحضون على طعام المسكين ﴾ ( الفجر : 17 ، 18 ) .
( 18 20 )
لما نوه بالذين آمنوا أعقب التنويه بالثناء عليهم وبشارتهم مفتتحا باسم الإشارة لتمييزهم أكمل تمييز لإحضارهم بصفاتهم في ذهن السامع ، مع ما في اسم الإشارة من إرادة التنويه والتعظيم .
و ﴿ الميمنة ﴾ جهة اليمين ، فهي مفعلة للمكان مأخوذة من فعل يمنه ( فعلا ماضيا ) إذا كان على يمينه ، أي على جهة يده اليمنى ، أو مأخوذة من يمنه الله يمنا ، إذا باركه ، وإحدى المادتين مأخوذة من الأخرى ، قيل : سميت اليد اليمنى يمينا ويمنى لأنها أعود نفعا على صاحبها في يسر أعماله ، ولذلك سمي بلاد اليمن يمنا لأنها عن جهة يمين الواقف مستقبلا الكعبة من بابها لأن باب الكعبة شرقي ، فالجهة التي على يمين الداخل إلى الكعبة هي الجنوب وهي جهة بلاد اليمن . وكانت بلاد اليمن مشهورة بالخيرات فهي ميمونة . وكان جغرافيو اليونان يصفونها بالعربية السعيدة ، وتفرع على ذلك اعتبارهم ما جاء عن اليمين من الوحش والطير مبشرا بالخير في عقيدة أهل الزجر والعيافة فالأيامن الميمونة قال المرقش يفند ذلك :
فإذا الأشائم كالأيا
منن والأيامن كالأشائم
ونشأ على اعتبار عكس ذلك تسمية بلاد الشام شأما بالهمز مشتقة من الشؤم لأن بلاد الشام من جهة شمال الداخل إلى الكعبة وقد أبطل الإسلام ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم ( اللهم بارك لنا في شأمنا وفي يمننا ) وما تسميتهم ضد اليد اليمنى يسارا إلا لإبطال ما يتوهم من الشؤم فيها .
ولما كانت جهة اليمين جهة مكرمة تعارفوا الجلوس على اليمين في المجامع كرامة للجالس ، وجعلوا ضدهم بعكس ذلك . وقد أبطله الاسلام فكان الناس يجلسون حين انتهى بهم المجلس .
وسمي أهل الجنة ﴿ أصحاب الميمنة ﴾ و ﴿ أصحاب اليمين ﴾ ( الواقعة : 27 ) وسمي أهل النار ﴿ أصحاب المشأمة ﴾ و ﴿ أصحاب الشمال في سورة الواقعة ، فقوله : أولئك أصحاب الميمنة ﴾ أي أصحاب الكرامة عند الله .
وقوله : ﴿ هم أصحاب المشأمة ﴾ أي هم محقرون . وذلك كناية مبنية على عرف العرب يومئذ في مجالسهم . ولا ميمنة ولا مشأمة على الحقيقة لأن حقيقة الميمنة والمشأمة تقتضيان حيزا لمن تنسب إليه الجهة .
وجملة : ﴿ والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشأمة ﴾ تتميم لما سيق من ذم الإنسان المذكور آنفا إذ لم يعقب ذمه هنالك بوعيده عناية بالأهم وهو ذكر حالة أضداده ووعدهم ، فلما قضي حق ذلك ثني العنان إلى ذلك الإنسان فحصل من هذا النظم البديع محسن رد العجز على الصدر ، ومحسن الطباق بين الميمنة والمشأمة .