وتقدم في قوله تعالى : { وجوه يومئذ مسفرة الآية في سورة عبس .
ويجوز أن يجعل إسناد الخشوع والعمل والنصب إلى وجوه } من قبيل المجاز العقلي ، أي أصحاب وجوه .
ويتعلق ﴿ يومئذ ﴾ ب ﴿ خاشعة ﴾ قدم على متعلقه للاهتمام بذلك اليوم ولما كانت ( إذ ) من الأسماء التي تلزم الإضافة إلى جملة فالجملة المضاف إليها ( إذ )
محذوفة عوض عنها التنوين ، ويدل عليها ما في اسم ﴿ الغاشية ﴾ من لمح أصل الوصفية لأنها بمعنى التي تغشى الناس فتقدير الجملة المحذوفة يوم إذ تغشى الغاشية .
أو يدل على الجملة سياق الكلام فتقدر الجملة : يوم إذ تحدث أو تقع .
و ﴿ خاشعة ﴾ : ذليلة يطلق الخشوع على المذلة قال تعالى : ﴿ وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ﴾ ( الشورى : 45 ) وقال : ﴿ خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة ﴾ ( المعارج : 44 ) .
والعاملة : المكلفة العمل من المشاق يومئذ . و ﴿ ناصبة ﴾ : من النصب وهو التعب .
وأوثر وصف ﴿ خاشعة ﴾ و ﴿ عاملة ﴾ و ﴿ ناصبة ﴾ تعريضا بأهل الشقاء بتذكيرهم بأنهم تركوا الخشوع لله والعمل بما أمر به والنصب في القيام بطاعته ، فجزاؤهم خشوع مذلة ، وعمل مشقة ، ونصب إرهاق .
وجملة : ﴿ تصلى نارا حامية ﴾ خبر رابع عن ﴿ وجوه ﴾ . ويجوز أن تكون حالا ، يقال : صلي يصلى ، إذا أصابه حر النار ، وعليه فذكر : ﴿ نارا ﴾ بعد ﴿ تصلى ﴾ لزيادة التهويل والإرهاب وليجرى على ﴿ نارا ﴾ وصف ﴿ حامية ﴾ .
وقرأ الجمهور ﴿ تصلى ﴾ بفتح التاء أي يصيبها صلي النار . وقرأه أبو عمرو وأبو بكر عن عاصم ويعقوب ( تصلى ) بضم التاء من أصلاه النار بهمزة التعدية إذا أناله حرها .
ووصف النار ب ﴿ حامية ﴾ لإفادة تجاوز حرها المقدار المعروف لأن الحمي من لوازم ماهية النار فلما وصفت ب ﴿ حامية ﴾ كان دالا على شدة الحمى قال تعالى : ﴿ نار الله الموقدة ﴾ ( الهمزة : 6 ) .
وأخبر عن ﴿ وجوه ﴾ خبرا خامسا بجملة ﴿ تسقى من عين آنية ﴾ أو هو حال من ضمير ﴿ تصلى ﴾ لأن ذكر الاحتراق بالنار يحضر في الذهن تطلب إطفاء حرارتها بالشراب فجعل شرابهم من عين آنية .
يقال : أنى إذا بلغ شدة الحرارة ، ومنه قوله تعالى : { يطوفون بينها وبين حميم آن في سورة الرحمن .
وذكر السقي يخطر في الذهن تطلب معرفة ما يطعمونه فجيء به خبرا سادسا أو حالا من ضمير تسقى } بجملة ﴿ ليس لهم طعام إلا من ضريع ﴾ ، أي يطعمون طعام إيلام وتعذيب لا نفع فيه لهم ولا يدفع عنهم ألما .
وجملة : ﴿ ليس لهم طعام ﴾ الخ خبر سادس عن ﴿ وجوه ﴾ .
وضمير ﴿ لهم ﴾ عائد إلى ﴿ وجوه ﴾ باعتبار تأويله بأصحاب الوجوه ولذلك جىء به ضمير جماعة المذكر . والتذكير تغليب للذكور على الإناث .
والضريع : يابس الشبرق ( بكسر الشين المعجمة وسكون الموحدة وكسر الراء ) وهو نبت ذو شوك إذا كان رطبا فإذا يبس سمي ضريعا وحينئذ يصير مسموما وهو مرعى للإبل ولحمر الوحش إذا كان رطبا ، فما يعذب بأهل النار بأكله شبه بالضريع في سوء طعمه وسوء مغبته .
وقيل : الضريع اسم سمى القرآن به شجرا في جهنم وأن هذا الشجر هو الذي يسيل منه الغسلين الوارد في قوله تعالى : ﴿ فليس له اليوم ههنا حميم ولا طعام إلا من غسلين ﴾ ( الحاقة : 35 ، 36 ) وعليه فحرف { من للابتداء ، أي ليس لهم طعام إلا ما يخرج من الضريع والخارج هو الغسلين وقد حصل الجمع بين الآيتين .
ووصف ضريع بأنه لا يسمن ولا يغني من جوع لتشويهه وأنه تمحض للضر فلا يعود على آكليه بسمن يصلح بعض ما التفح من أجسادهم ، ولا يغني عنهم دفع ألم الجوع ، ولعل الجوع من ضروب تعذيبهم فيسألون الطعام فيطعمون الضريع فلا يدفع عنهم ألم الجوع .
والسمن ، بكسر السين وفتح الميم : وفرة اللحم والشحم للحيوان يقال : أسمنه الطعام ، إذا عاد عليه بالسمن .
والإغناء : الإكفاء ودفع الحاجة . ومن جوع } متعلق ب ﴿ يغني ﴾ وحرف ﴿ من ﴾ لمعنى البدلية ، أي غناء بدلا عن الجوع .