تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وربما سميت ( سورة هل أتاك ) بدون كلمة ﴿ حديث الغاشية ﴾ ، وبذلك عنونها ابن عطية في ( تفسيره ) وهو اختصار .

وهي مكية بالاتفاق .

وهي معدودة السابعة والستين في عداد نزول السور نزلت بعد سورة الذاريات وقبل سورة الكهف .

وآياتها ست وعشرون .

أغراضها

اشتملت هذه السورة على تهويل يوم القيامة وما فيه من عقاب قوم مشوهة حالتهم ، ومن ثواب قوم ناعمة حالتهم وعلى وجه الإجمال المرهب أو المرغب .

والإيماء إلى ما يبين ذلك الإجمال كله بالإنكار على قوم لم يهتدوا بدلالة

مخلوقات من خلق الله وهي نصب أعينهم ، على تفرده بالإلاهية فيعلم السامعون أن الفريق المهدد هم المشركون .

وعلى إمكان إعادته بعض مخلوقاته خلقا جديدا بعد الموت يوم البعث .

وتثبيتت النبي صلى الله عليه وسلم على الدعوة إلى الإسلام وأن لا يعبأ بإعراضهم .

وأن وراءهم البعث فهم راجعون إلى الله فهو مجازيهم على كفرهم وإعراضهم .

الافتتاح بالاستفهام عن بلوغ خبر الغاشية مستعمل في التشويق إلى معرفة هذا الخبر لما يترتب عليه من الموعظة .

وكون الاستفهام ب ﴿ هل ﴾ المفيدة معنى ( قد ) ، فيه مزيد تشويق فهو استفهام صوري يكنى به عن أهمية الخبر بحيث شأنه أن يكون بلغ السامع ، وقد تقدم نظيره في قوله تعالى : ﴿ وهل أتاك نبؤا الخصم ﴾ في سورة ص . وقوله : { هل أتاك حديث موسى في سورة النازعات .

وتقدم هنالك إطلاق فعل الإتيان على فشو الحديث .

وتعريف ما أضيف إليه حديث } بوصفه ﴿ الغاشية ﴾ الذي يقتضي موصوفا لم يذكر هو إبهام لزيادة التشويق إلى بيانه الآتي ليتمكن الخبر في الذهن كمال تمكن .

والحديث : الخبر المتحدث به وهو فعيل بمعنى مفعول ، أو الخبر الحاصل بحدثان أي ما حدث من أحوال . وتقدم في سورة النازعات .

| 2 ( ﴿ هل أتاك حديث الغاشية * وجوه يومئذ خاشعة * عاملة ناصبة * تصلى نارا حامية * تسقى من عين ءانية * ليس لهم طعام إلا من ضريع * لا يسمن ولا يغنى من جوع * وجوه يومئذ ناعمة * لسعيها راضية * في جنة عالية * لا تسمع فيها لاغية * فيها عين جارية * فيها سرر مرفوعة * وأكواب موضوعة * ونمارق مصفوفة * وزرابي مبثوثة * أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت * وإلى السمآء كيف رفعت * وإلى الجبال كيف نصبت * وإلى الارض كيف سطحت * فذكر إنمآ أنت مذكر * لست عليهم بمسيطر * إلا من تولى وكفر * فيعذبه الله العذاب الاكبر * إن إلينآ إيابهم * ثم إن علينا حسابهم ﴾ ) 2

و ﴿ الغاشية ﴾ : مشتقة من الغشيان وهو تغطية متمكنة وهي صفة أريد بها حادثة القيامة سميت غاشية على وجه الاستعارة لأنها إذا حصلت لم يجد الناس مفرا من أهوالها فكأنها غاشش يغشى على عقولهم . ويطلق الغشيان على غيبوبة العقل فيجوز أن يكون وصف الغاشية مشتقا منه . ففهم من هذا أن الغاشية صفة لمحذوف يدل عليه السياق وتأنيث الغاشية لتأويلها بالحادثة ولم يستعملوها إلا مؤنثة اللفظ

والتأنيث كثير في نقل الأوصاف إلى الإسمية مثل الداهية والطامة والصاخة والقارعة والآزفة .

و ﴿ الغاشية ﴾ هنا : علم بالغلبة على ساعة القيامة كما يؤذن بذلك قوله عقبه ﴿ وجوه يومئذ ﴾ ( الغاشية : 2 ) أي يوم الغاشية .

﴿ وجوه ﴾ مبتدأ و ﴿ خاشعة ﴾ خبر والجملة بيان لحديث الغاشية كما يفيده الظرف من قوله : ﴿ يومئذ ﴾ فإن ما صدقه هو يوم الغاشية . ويكون تنكير ﴿ وجوه ﴾ وهو مبتدأ قصد منه النوع .

و ﴿ خاشعة ، عاملة ، ناصبة ﴾ أخبار ثلاثة عن ﴿ وجوه ﴾ ، والمعنى : أناس خاشعون الخ .

فالوجوه كناية عن أصحابها ، إذ يكنى بالوجه عن الذات كقوله تعالى : ﴿ ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ﴾ ( الرحمن : 27 ) . وقرينة ذلك هنا قوله بعده : ﴿ ليس لهم طعام إلا من ضريع ﴾ إذ جعل ضمير الوجوه جماعة العقلاء .

وأوثرت الوجوه بالكناية عن أصحابها هنا وفي مثل هذا المقام لأن حالة الوجوه تنبىء عن حالة أصحابها إذ الوجه عنوان عما يجده صاحبه من نعيم أو شقوة كما يقال : خرج بوجه غير الوجه الذي دخل به .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٣٠ · الصفحة ١٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٣٠ · ص ١٥٠