تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتعريف : ﴿ اسم ﴾ بطريق الإضافة إلى ﴿ ربك ﴾ دون تعريفه بالإضافة إلى علم الجلالة نحو : سبح اسم الله ، لما يشعر به وصف رب من أنه الخالق المدبر . وأما إضافة ( رب ) إلى ضمير الرسول صلى الله عليه وسلم فلتشريفه بهذه الإضافة وأن يكون له حظ زائد على التكليف بالتسبيح .

ثم أجري على لفظ ﴿ ربك ﴾ صفة ﴿ الأعلى ﴾ وما بعدها من الصلات الدالة على تصرفات قدرته ، فهو مستحق للتنزيه لصفات ذاته ولصفات إنعامه على الناس بخلقهم في أحسن تقويم ، وهدايتهم ، ورزقهم ، ورزق أنعامهم ، للإيماء إلى موجب الأمر بتسبيح اسمه بأنه حقيق بالتنزيه استحقاقا لذاته ولوصفه بصفة أنه خالق المخلوقات خلقا يدل على العلم والحكمة وإتقان الصنع ، وبأنه أنعم بالهدى والرزق الذين بهما استقامة حال البشر في النفس والجسد وأوثرت الصفات الثلاث الأول لما لها من المناسبة لغرض السورة كما سنبينه .

فلفظ ﴿ الأعلى ﴾ اسم يفيد الزيادة في صفة العلو ، أي الارتفاع . والارتفاع معدود في عرف الناس من الكمال فلا ينسب العلو بدون تقييد إلا إلى شيء غير مذموم في العرف ، ولذلك إذا لم يذكر مع وصف الأعلى مفضل عليه أفاد التفضيل المطلق كما في وصفه تعالى هنا . ولهذا حكى عن فرعون أنه قال : ﴿ أنا ربكم الأعلى ﴾ ( النازعات : 24 ) .

والعلو المشتق منه وصفه تعالى : ﴿ الأعلى ﴾ علو مجازي ، وهو الكمال التام الدائم .

ولم يعد وصفه تعالى : ﴿ الأعلى ﴾ في عداد الأسماء الحسنى استغناء عن اسمه ﴿ العلي ﴾ لأن أسماء الله توقيفية فلا يعد من صفات الله تعالى بمنزلة الاسم إلا ما كثر إطلاقه إطلاق الأسماء ، وهو أوغل من الصفات ، قال الغزالي : والعلو في الرتبة العقلية مثل العلو في التدريجات الحسية ، ومثال الدرجة العقلية ، كالتفاوت بين السبب والمسبب والعلة والمعلول والفاعل والقابل والكامل والناقص اه .

وإيثار هذا الوصف في هذه السورة لأنها تضمنت التنويه بالقرآن والتثبيت على تلقيه وما تضمنه من التذكير وذلك لعلو شأنه فهو من متعلقات وصف العلو الإلاهي إذ هو كلامه .

وهذا الوصف هو ملاك القانون في تفسير صفات الله تعالى ومحاملها على ما يليق بوصف الأعلى فلذلك وجب تأويل المتشابهات من الصفات .

وقد جعل من قوله تعالى : ﴿ سبح اسم ربك الأعلى ﴾ دعاء السجود في الصلاة إذ ورد أن يقول الساجد : سبحان ربي الأعلى ، ليقرن أثر التنزيه الفعلي بأثر التنزيه القولي .

وجملة : ﴿ الذي خلق فسوى ﴾ اشتملت على وصفين : وصف الخلق ووصف تسويه الخلق ، وحذف مفعول ﴿ خلق ﴾ فيجوز أن يقدر عاما ، وهو ما قدره جمهور المفسرين ، وروي عن عطاء ، وهو شأن حذف المفعول إذا لم يدل عليه دليل ، أي خلق كل مخلوق فيكون كقوله تعالى حكاية عن قول موسى : ﴿ ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ﴾ ( طه : 50 ) .

ويجوز أن يقدر خاصا ، أي خلق الإنسان كما قدره الزجاج ، أو خلق آدم كما روي عن الضحاك ، أي بقرينة قرن فعل ﴿ خلق ﴾ بفعل ( سوى ) قال تعالى : ﴿ فإذا سويته ونفخت فيه من روحي ﴾ ( الحجر : 29 ) الآية .

وعطف جملة : ﴿ فسوى ﴾ بالفاء دون الواو للإشارة إلى أن مضمونها هو المقصود من الصلة وأن ما قبله توطئة له كما في قول ابن زيابة :

يا لهف زيابة للحارث الص

ابحح فالغانم فالآيب

لأن التلهف يحق إذا صبحهم فغنم أموالهم وآب بها ولم يستطيعوا دفاعه ولا استرجاعه .

فالفاء من قوله : ﴿ فسوى ﴾ للتفريع في الذكر باعتبار أن الخلق مقدم في اعتبار المعتبر على التسويه ، وإن كان حصول التسويه مقارنا لحصول الخلق .

والتسويه : تسوية ما خلقه فإن حمل على العموم فالتسوية أن جعل كل جنس ونوع من الموجودات معادلا ، أي مناسبا للأعمال التي في جبلته فاعوجاج زبانى العقربب من تسويه خلقها لتدفع عن نفسها بها بسهولة .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٣٠ · الصفحة ١٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٣٠ · ص ١٤١