وقيل : هو دعاء على أصحاب الأخدود بالقتل كقوله تعالى : ﴿ قتل الإنسان ما أكفره ﴾ ( عبس : 17 ) والقتل مستعار لأشد العذاب كما يقال : أهلكه الله ، أي أوقعه في أشد العناء ، وأيا ما كان فجملة ﴿ قتل أصحاب الأخدود ﴾ على هذا معترضة بين القسم وما بعده .
ومن جعل ﴿ قتل أصحاب الأخدود ﴾ جواب القسم جعل الكلام خبرا وقدره
لقد قتل أصحاب الأخدود ، فيكون المراد من أصحاب الأخدود الذين ألقوا فيه وعذبوا به ويكون لفظ أصحاب مستعملا في معنى مجرد المقارنة والملازمة كقوله تعالى : ﴿ يا صاحبي السجن ﴾ ( يوسف : 39 ) وقد علمت آنفا تعين تأويل هذا القول بأن الخبر مستعمل في لازم معناه .
ولفظ ﴿ أصحاب ﴾ يعم الآمرين بجعل الأخدود والمباشرين لحفره وتسعيره ، والقائمين على إلقاء المؤمنين فيه .
وهذه قصة اختلف الرواة في تعيينها وفي تعيين المراد منها في هذه الآية .
والروايات كلها تقتضي أن المفتونين بالأخدود قوم اتبعوا النصرانية في بلاد اليمن على أكثر الروايات ، أو في بلاد الحبشة على بعض الروايات ، وذكرت فيها روايات متقاربة تختلف بالإجمال والتفصيل ، والترتيب ، والزيادة ، والتعيين وأصحها ما رواه مسلم والترمذي عن صهيب أن النبي صلى الله عليه وسلم قص هذه القصة على أصحابه . وليس فيما روي تصريح بأن النبي صلى الله عليه وسلم ساقها تفسيرا لهذه الآية والترمذي ساق حديثها في تفسير سورة البروج .
وعن مقاتل كان الذين اتخذوا الأخاديد في ثلاث من البلاد بنجران ، وبالشام ، وبفارس ، أما الذي بالشام ف ( انطانيوس ) الرومي وأما الذي بفارس فهو ( بختنصر ) والذي بنجران فيوسف ذو نواس ولنذكر القصة التي أشار إليها القرآن تؤخذ من ( سيرة ابن إسحاق ) على أنها جرت في نجران من بلاد اليمن ، وأنه كان ملك وهو ذو نواس له كاهن أو ساحر . وكان للساحر تلميذ اسمه عبد الله بن الثامر وكان يجد في طريقه إذا مشى إلى الكاهن صومعة فيها راهب كان يعبد الله على دين عيسى عليه السلام ويقرأ الإنجيل اسمه ( فيميون ) بفاء ، فتحتية ، فميم ، فتحتية ( وضبط في الطبعة الأوروبية من ( سيرة ابن إسحاق ) التي يلوح أن أصلها المطبوعة عليه أصل صحيح ، بفتح فسكون فكسر فضم ) قال السهيلي : ووقع للطبري بقاف عوض الفاء . وقد يحرف فيقال ميمون بميم في أوله وبتحتية واحدة ، أصله من غسان من الشام ثم ساح فاستقر بنجران ، وكان منعزلا عن الناس مختفيا في صومعته وظهرت لعبد الله في قومه كرامات . وكان كلما ظهرت له كرامة دعا من ظهرت لهم إلى أن يتبعوا النصرانية ، فكثر المتنصرون في نجران وبلغ ذلك الملك ذا
نواس وكان يهوديا وكان أهل نجران مشركين يعبدون نخلة طويلة ، فقتل الملك الغلام وقتل الراهب وأمر بأخاديد وجمع فيها حطب وأشعلت ، وعرض أهل نجران عليها فمن رجع عن التوحيد تركه ومن ثبت على الدين الحق قذفه في النار .
فكان أصحاب الأخدود ممن عذب من أهلل دين المسيحية في بلاد العرب . وقصص الأخاديد كثيرة في التاريخ ، والتعذيب بالحرق طريقة قديمة ، ومنها : نار إبراهيم عليه السلام . وأما تحريق عمرو بن هند مائة من بني تميم وتلقيبه بالمحرق فلا أعرف أن ذلك كان باتخاذ أخدود . وقال ابن عطية : رأيت في بعض الكتب أن أصحاب الأخدود هو محرق وآله الذي حرق من بني تميم مائة .
و ﴿ الأخدود ﴾ : بوزن أفعول وهو صيغة قليلة الدوران غير مقيسة ، ومنها قولهم : أفحوص مشتق من فحصت القطاة والدجاجة إذا بحثت في التراب موضعا تبيض فيه ، وقولهم أسلوب اسم لطريقة ، ولسطر النخل ، وأقنوم اسم لأصل الشيء . وقد يكون هذا الوزن مع هاء تأنيث مثل أكرومة ، وأعجوبة ، وأطروحة وأضحوكة .
وقوله : ﴿ النار ﴾ بدل من الأخدود بدل اشتمال أو بعضض من كل لأن المراد بالأخدود الحفير بما فيه .