وهذه البروج هي في التحقيق : سموت تقابلها الشمس في فلكها مدة شهر كامل من أشهر السنة الشمسية يوقتون بها الأشهر والفصول بموقع الشمس نهارا في المكان الذي تطلع فيه نجوم تلك البروج ليلا ، وقد تقدم عند قوله تعالى : { تبارك الذي جعل في السماء بروجا في سورة الفرقان .
وشاهد ومشهود } مراد بهما النوع . فالشاهد : الرائي ، أو المخبر بحق لإلزام منكره . والمشهود : المرئي أو المشهود عليه بحق . وحذف متعلق الوصفين لدلالة
الكلام عليه فيجوز أن يكون الشاهد حاضر ذلك اليوم الموعود من الملائكة قال تعالى : ﴿ وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد ﴾ ( ق : 21 ) .
ويجوز أن يكون الشاهد الله تعالى ويؤيده قوله : ﴿ والله على كل شيء شهيد ﴾ أو الرسل والملائكة .
والمشهود : الناس المحشورون للحساب وهم أصحاب الأعمال المعرضون للحساب لأن العرف في المجامع أن الشاهد فيها : هو السالم من مشقتها وهم النظارة الذين يطلعون على ما يجري في المجمع ، وأن المشهود : هو الذي يطلع الناس على ما يجري عليه .
ويجوز أن يكون الشاهد : الشاهدين من الملائكة ، وهم الحفظة الشاهدون على الأعمال . والمشهود : أصحاب الأعمال . وأن يكون الشاهد الرسل المبلغين للأمم حين يقول الكفار : ما جاءنا من بشير ولا نذير ومحمد صلى الله عليه وسلم يشهد على جميعهم وهو ما في قوله تعالى : ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا ﴾ ( النساء : 41 ) .
وعلى مختلف الوجوه فالمناسبة ظاهرة بين ﴿ شاهد ومشهود ﴾ وبين ما في المقسم عليه من قوله : ﴿ وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود ﴾ ، وقوله : ﴿ إذ هم عليها قعود ﴾ أي حضور .
وروى الترمذي من طريق موسى بن عبيدة إلى أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( اليوم الموعود يوم القيامة واليوم المشهود يوم عرفة والشاهد يوم الجمعة ) . أي فالتقدير : ويومم شاهد ويومم مشهود . قال الترمذي : هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث موسى بن عبيدة وموسى بن عبيدة يضعف في الحديث ضعفه يحيى بن سعيد وغيره من قبل حفظه اه .
ووصف ( يوم ) بأنه ( شاهد ) مجاز عقلي ، ومحمل هذا الحديث على أن هذا مما يراد في الآية من وصف ﴿ شاهد ﴾ ووصف ﴿ مشهود ﴾ فهو من حمل الآية على ما يحتمله اللفظ في حقيقة ومجاز كما تقدم في المقدمة التاسعة .
وجواب القسم قيل محذوف لدلالة قوله : ﴿ قتل أصحاب الأخدود ﴾ عليه
والتقدير أنهم ملعونون كما لعن أصحاب الأخدود . وقيل : تقديره : أن الأمر لحق في الجزاء على الأعمال : أو لتبعثن .
وقيل : الجواب مذكور فيما يلي فقال الزجاج : هو ﴿ إن بطش ربك لشديد ﴾ ( البروج : 12 ) ( أي والكلام الذي بينهما اعتراض قصد به التوطئة للمقسم عليه وتوكيد التحقيق الذي أفاده القسم بتحقيق ذكر النظير ) . وقال الفراء : الجواب : ﴿ قتل أصحاب الأخدود ﴾ ( أي فيكون قتل خبرا لادعاء ولا شتما ولا يلزم ذكر ( قد ) في الجواب مع كون الجواب ماضيا لأن ( قد ) تحذف بناء على أن حذفها ليس مشروطا بالضرورة ) .
ويتعين على قول الفراء أن يكون الخبر مستعملا في لازم معناه من الإنذار للذين يفتنون المؤمنين بأن يحل بهم ما حل بفاتني أصحاب الأخدود ، وإلا فإن الخبر عن أصحاب الأخدود لا يحتاج إلى التوكيد بالقسم إذ لا ينكره أحد فهو قصة معلومة للعرب .
وانتساق ضمائر جمع الغائب المرفوعة من قوله : ﴿ إذ هم عليها قعود ﴾ إلى قوله : ﴿ وما نقموا ﴾ يقتضي أن يكون أصحاب الأخدود واضعيه لتعذيب المؤمنين .
وقيل : الجواب هو جملة : ﴿ إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ﴾ ( البروج : 10 ) فيكون الكلام الذي بينهما اعتراضا وتوطئة على نحو ما قررناه في كلام الزجاج .
وقوله : ﴿ قتل أصحاب الأخدود ﴾ صيغته تشعر بأنه إنشاء شتم لهم شتم خزي وغضب وهؤلاء لم يقتلوا ففعل قتل ليس بخبر بل شتم نحو قوله تعالى : ﴿ قتل الخراصون ﴾ ( الذاريات : 10 ) . وقولهم قاتله الله ، وصدوره من الله يفيد معنى اللعن ويدل على الوعيد لأن الغضب واللعن يستلزمان العقاب على الفعل الملعون لأجله .