تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والافتتاح ب ﴿ إن الذين أجرموا ﴾ بصورة الكلام المؤكد لإفادة الاهتمام بالكلام وذلك كثير في افتتاح الكلام المراد إعلانه ليتوجه بذلك الافتتاح جميع السامعين إلى استماعه للإشعار بأنه خبر مهم . والمراد ب ﴿ الذين أجرموا ﴾ المشركون من أهل مكة وخاصة صناديدهم .

وهم أبو جهل ، والوليد بن المغيرة ، وعقبة بن أبي معيط ، والعاص بن وائل ، والأسود بن عبد يغوث ، والعاص بن هشام ، والنضر بن الحارث ، كانوا يضحكون من عمار بن ياسر ، وخباب بن الأرت ، وبلال ، وصهيب ، ويستهزئون بهم .

وعبر بالموصول وهذه الصلة : ﴿ الذين أجرموا ﴾ للتنبيه على أن ما أخبر به عنهم هو إجرام ، وليظهر موقع قوله : ﴿ هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون ﴾ ( المطففين : 36 ) .

والإجرام : ارتكاب الجرم وهو الإثم العظيم ، وأعظم بالإجرام الكفر ويؤذن تركيب ( كانوا يضحكون ) بأن ذلك صفة ملازمة لهم في الماضي ، وصوغ ﴿ يضحكون ﴾ بصيغة المضارع للدلالة على تكرر ذلك منهم وأنه ديدن لهم .

وتعدية فعل ﴿ يضحكون ﴾ إلى الباعث على الضحك بحرف ﴿ من ﴾ هو الغالب في تعدية أفعال هذه المادة على أن ( من ) ابتدائية تشبه الحالة التي تبعث على الضحك بمكان يصدر عنه الضحك ، ومثله أفعال : سخر منه ، وعجب منه .

ومعنى يضحكون منهم : يضحكون من حالهم فكان المشركون لبطرهم يهزأوون بالمؤمنين ومعظمهم ضعاف أهل مكة فيضحكون منهم ، والظاهر أن هذا يحصل في نواديهم حين يتحدثون بحالهم بخلاف قوله : ﴿ وإذا مروا بهم يتغامزون ﴾ .

واعلم أنه إذا كان سبب الضحك حالة خاصة من أحوال كان المجرور اسم تلك الحالة نحو : ﴿ فتبسم ضاحكا من قولها ﴾ ( النمل : 19 ) وإذا كان مجموع هيئة الشيء كان المجرور اسم الذات صاحبة الأحوال لأن اسم الذات أجمع للمعروف من أحوالها نحو : ﴿ وكنتم منهم تضحكون ﴾ ( المؤمنون : 110 ) . وقول عبد يغوث الحارث :

وتضحك مني شيخة عبشمية

كأن لم ترى قبلي أسيرا يمانيا

والتغامز : تفاعل من الغمز ويطلق على جس الشيء باليد جسا مكينا ، ومنه غمز القناة لتقويمها وإزالة كعوبها . وفي حديث عائشة : ( لقد رأيتني ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وأنا مضطجعة بينه وبين القبلة فإذا أراد أن يسجد غمز رجلي فقبضتهما ) .

ويطلق الغمز على تحريك الطرف لقصد تنبيه الناظر لما عسى أن يفوته النظر إليه من أحوال في المقام وكلا الإطلاقين يصح حمل المعنى في الآية عليه .

وضمير ﴿ مروا ﴾ يجوز أن يعود إلى ﴿ الذين أجرموا ﴾ فيكون ضمير ﴿ بهم ﴾ عائدا إلى ﴿ الذين آمنوا ﴾ ، ويجوز العكس ، وأما ضمير ﴿ يتغامزون ﴾ فمتمحض للعود إلى ﴿ الذين أجرموا ﴾ .

والمعنى : وإذا مر المؤمنون بالذين أجرموا وهم في مجالسهم يتغامز المجرمون حين مرور المؤمنين أو وإذا مر الذين أجرموا بالذين آمنوا وهم في عملهم وفي عسر حالهم يتغامز المجرمون حين مرورهم ، وإنما يتغامزون من دون إعلان السخرية بهم اتقاء لتطاول المؤمنين عليهم بالسب لأن المؤمنين قد كانوا كثيرا بمكة حين نزول

هذه السورة ، فكان هذا دأب المشركين في معاملتهم وهو الذي يقرعون به يوم القيامة .

والإنقلاب : الرجوع إلى الموضع الذي جيء منه . يقال : انقلب المسافر إلى أهله وفي دعاء السفر : ( أعوذ بك من كآبة المنقلب ) . وأصله مستعار من قلب الثوب ، إذا صرفه من وجه إلى وجه آخر ، يقال : قلب الشيء ، إذا أرجعه .

وأهل الرجل : زوجه وأبناؤه ، وذكر الأهل هنا لأنهم ينبسط إليهم بالحديث فلذلك قيل : ﴿ إلى أهلهم ﴾ دون : إلى بيوتهم .

والمعنى : وإذا رجع الذين أجرموا إلى بيوتهم وخلصوا مع أهلهم تحدثوا أحاديث الفكاهة معهم بذكر المؤمنين وذمهم .

وتكرير فعل : ﴿ انقلبوا ﴾ بقوله : ﴿ انقلبوا فاكهين ﴾ من النسج الجزل في الكلام كان يكفي أن يقول : وإذا انقلبوا إلى أهلهم فكهوا ، أو إذا انقلبوا إلى أهلهم كانوا فاكهين . وذلك لما في إعادة الفعل من زيادة تقرير معناه في ذهن السامع لأنه مما ينبغي الاعتناء به ، ولزيادة تقرير ما في الفعل من إفادة التجدد حتى يكون فيه استحضار الحالة . قال ابن جني في كتاب ( التنبيه على إعراب الحماسة ) عند قول الأحوص :

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٣٠ · الصفحة ١١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٣٠ · ص ١١٣