تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

و ﴿ المقربون ﴾ : هم الأبرار ، أي فالشاربون من هذا الماء مقربون .

وباء ﴿ يشرب بها ﴾ إما سببية ، وعدي فعل ﴿ يشرب ﴾ إلى ضمير العين بتضمين ﴿ يشرب ﴾ معنى : يمزج ، لقوله : ﴿ ومزاجه من تسنيم ﴾ أي يمزجون الرحيق بالتسنيم . وإما باء الملابسة وفعل ﴿ يشرب ﴾ معدى إلى مفعول محذوف وهو الرحيق ، أي يشربون الرحيق ملابسين للعين ، أي محيطين بها وجالسين حولها . أو الباء بمعنى ( من ) التبعيضية وقد عده الأصمعي والفارسي وابن قتيبة وابن مالك في معاني الباء ، وينسب إلى الكوفيين . واستشهدوا له بهذه الآية وليس ذلك ببين فإن الاستعمال العربي يكثر فيه تعدية فعل الشرب بالباء دون ( من ) ، ولعلهم أرادوا به معنى الملابسة ، أو كانت الباء زائدة كقول أبي ذؤيب يصف السحاب :

شربن بماء البحر ثم ترفعت

متى لجج خضر لهن نئيج

( 29 35 ) ﴿ ﴾

هذه من جملة القول الذي يقال يوم القيامة للفجار المحكي بقوله تعالى : ﴿ ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون ﴾ ( المطففين : 17 ) لأنه مرتبط بقوله في آخره : ﴿ فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون ﴾ إذ يتعين أن يكون قوله : ﴿ فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون ﴾ حكاية كلام يصدر في يوم القيامة ، إذ تعريف ( اليوم ) باللام ونصبه على الظرفية يقتضيان أنه يوم حاضر موقت به الفعل المتعلق هو به ، ومعلوم أن اليوم الذي يضحك فيه المؤمنون من الكفار وهم على الأرائك هو يوم حاضر حين نزول هذه الآيات وسيأتي مزيد إيضاح لهذا ولأن قوله : ﴿ كانوا من الذين آمنوا يضحكون ﴾ ظاهر في أنه حكاية كونن مضى ، وكذلك معطوفاته من قوله : ( وإذا مروا ، وإذا انقلبوا ، وإذا رأوهم ) فدل السياق على أن هذا الكلام حكاية قول ينادي به يوم القيامة من حضرة القدس على رؤوس الأشهاد .

فإذا جريت على ثاني الوجهين المتقدمين في موقع جمل ﴿ كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين ﴾ ( المطففين : 18 ) الآيات ، من أنها محكية بالقول الواقع في قوله تعالى : ﴿ ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون ﴾ ( المطففين : 17 ) إلى هنا فهذه متصلة بها . والتعبير عنهم بالذين أجرموا إظهار في مقام الإضمار على طريقة الالتفات إذ مقتضى الظاهر أن يقال لهم : إنكم كنتم من الذين آمنوا تضحكون ، وهكذا على طريق الخطاب وإن جريت على الوجه الأول بجعل تلك الجمل اعتراضا ، فهذه الجملة مبدأ كلام متصل بقوله : ﴿ ثم إنهم لصالوا الجحيم ﴾ ( المطففين : 16 ) واقع موقع بدل الاشتمال لمضمون جملة : ﴿ إنهم لصالوا الجحيم ﴾ ( المطففين : 16 ) باعتبار ما جاء في آخر هذا من قوله : ﴿ فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون ﴾ فالتعبير بالذين أجرموا إذن جار على مقتضى الظاهر وليس بالتفات .

وقد اتضح بما قررناه تناسب نظم هذه الآيات من قوله : { كلا إن كتاب

الأبرار لفي عليين } ( المطففين : 18 ) إلى هنا مزيد اتضاح ، وذلك مما أغفل المفسرون العناية بتوضيحه ، سوى أن ابن عطية أورد كلمة مجملة فقال : ( ولما كانت الآيات المتقدمة قد نيطت بيوم القيامة وأن الويل يومئذ للمكذبين ساغ أن يقول : ﴿ فاليوم ﴾ على حكاية ما يقال اه .

و ﴿ إذا ﴾ في المواضع الثلاثة مستعمل للزمان الماضي كقوله تعالى : ﴿ ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ﴾ ( التوبة : 92 ) وقوله : ﴿ وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ﴾ ( النساء : 83 ) .

والمقصود من ذكره أنه بعد أن ذكر حال المشركين على حدة ، وذكر حال المسلمين على حدة ، أعقب بما فيه صفة لعاقبة المشركين في معاملتهم للمؤمنين في الدنيا ليعلموا جزاء الفريقين معا .

وإصدار ذلك المقال يوم القيامة مستعمل في التنديم والتشميت كما اقتضته خلاصته من قوله : ﴿ فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون ﴾ إلى آخر السورة .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٣٠ · الصفحة ١١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٣٠ · ص ١١٢