والمعنى : غطت على قلوبهم أعمالهم أن يدخلها فهم القرآن والبونن الشاسع بينه وبين أساطير الأولين .
وقرأ الجمهور بإدغام اللام في الراء بعد قلبها راء لتقارب مخرجيها .
وقرأه عاصم بالوقف على لام ( بل ) والابتداء بكلمة ران تجنبا للإدغام .
وقرأه حفص بسكتة خفيفة على لام ﴿ بل ﴾ ليبين أنها لام . قال في ( اللسان ) : إظهار اللام لغة لأهل الحجاز . قال سيبويه : هما حسنان ، وقال الزجاج : الإدغام أرجح .
والقلوب : العقول ومحال الإدراك . وهذا كقوله تعالى : { ختم الله على قلوبهم في سورة البقرة .
ومن كلام رعاة الأعراب يخاطبون إبلهم في زمن شدة البرد إذا أوردوها الماء فاشمأزت منه لبرده برديه تجديه سخينا أي بل رديه وذلك من الملح الشبيهة بالمعاياة إذ في ظاهره طلب تبريده وأنه بالتبريد يوجد سخينا .
وما كانوا يكسبون } ما عملوه سالفا من سيئات أعمالهم وجماحهم عن
التدبر في الآيات حتى صار الإعراض والعناد خلقا متأصلا فيهم فلا تفهم عقولهم دلالة الأدلة على مدلولاتها .
روى الترمذي عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء فإذا هو نزع واستغفر الله وتاب صقل قلبه فإن عاد زيد فيها حتى تعلو على قلبه وهو الران الذي ذكر الله في كتابه : ﴿ كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ﴾ ) قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح .
ومجيء ﴿ يكسبون ﴾ بصيغة المضارع دون الماضي لإفادة تكرر ذلك الكسب وتعدده في الماضي .
وفي ذكر فعل ﴿ كانوا ﴾ دون أن يقال : ما يكسبون ، إشارة إلى أن المراد : ما كسبوه في أعمارهم من الإشراك قبل مجيء الإسلام فإنهم وإن لم يكونوا مناط تكليف أيامئذ . فهم مخالفون لما جاءت به الشرائع السالفة وتواتر وشاع في الأمم من الدعوة إلى توحيد الله بالإلاهية على قول الأشعري وأهل السنة في توجيه مؤاخذة أهل الفترة بذنب الإشراك بالله حسبما اقتضته الأدلة من الكتاب والسنة أو مخالفون لمقتضى دلالة العقل الواضحة على قول الماتريدي والمعتزلة ولحق بذلك ما اكتسبوه من وقت مجيء الإسلام إلى أن نزلت هذه السورة فهي مدة ليست بالقصيرة .
و ﴿ كلا ﴾ الثانية تأكيد ل ﴿ كلا ﴾ الأولى زيادة في الردع ليصير توبيخا .
.
جملة : ﴿ إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ﴾ وما عطف عليها ابتدائية وقد اشتملت الجملة ومعطوفاها على أنواع ثلاثة من الويل وهي الإهانة ، والعذاب ، والتقريع مع التأييس من الخلاص من العذاب .
فأما الإهانة فحجبهم عن ربهم ، والحجب هو الستر ، ويستعمل في المنع من
الحضور لدى الملك ولدى سيد القوم ، قال الشاعر الذي لم يسم وهو من شواهد ( الكشاف ) :
إذا اعتروا باب ذي عبيه رجبوا
والناس من بين مرجوب ومحجوب
وكلا المعنيين مراد هنا لأن المكذبين بيوم الدين لا يرون الله يوم القيامة حين يراه أهل الإيمان .
ويوضح هذا المعنى قوله في حكاية أحوال الأبرار : ﴿ على الأرائك ينظرون ﴾ ( المطففين : 23 ) وكذلك أيضا لا يدخلون حضرة القدس قال تعالى : ﴿ إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ﴾ ( الأعراف : 40 ) ، وليكون الكلام مفيدا للمعنيين قيل : ( عن ربهم لمحجوبون ) دون أن يقال : عن رؤية ربهم ، أو عن وجه ربهم كما قال في آية آل عمران : { ولا ينظر إليهم يوم القيامة .
وأما العذاب فهو ما في قوله : ثم إنهم لصالوا الجحيم } .
وقد عطفت جملته بحرف ﴿ ثم ﴾ الدالة في عطفها الجمل على التراخي الرتبي وهو ارتقاء في الوعيد لأنه وعيد بأنهم من أهل النار وذلك أشد من خزي الإهانة .
و ( صالوا ) جمع صال وهو الذي مسه حر النار ، وتقدم في آخر سورة الانفطار . والمعنى : أنهم سيصلون عذاب جهنم .
وأما التقريع مع التأييس من التخفيف فهو مضمون جملة : ﴿ ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون ﴾ فعطف الجملة بحرف ﴿ ثم ﴾ اقتضى تراخي مضمون الجملة على مضمون التي قبلها ، أي بعد درجته في الغرض المسوق له الكلام .