تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ونون ﴿ سجين ﴾ أصلية وليست مبدلة عن اللام ، وقد اختلف في معناه على أقوال أشهرها وأولاها أنه علم لواد في جهنم ، صيغ بزنة فعيل من مادة السجن للمبالغة مثل : الملك الضليل ، ورجل سكير ، وطعام حريف ( شديد الحرافة وهي لذع اللسان ) سمي ذلك المكان سجينا لأنه أشد الحبس لمن فيه فلا يفارقه وهذا الاسم من مصطلحات القرآن لا يعرف في كلام العرب من قبل ولكن مادته وصيغته موضوعتان في العربية وضعا نوعيا . وقد سمع العرب هذا الاسم ولم يطعنوا في عربيته .

ومحمل قوله : ﴿ لفي سجين ﴾ إن كان على ظاهر الظرفية كان المعنى أن كتب أعمال الفجار مودعة في مكان اسمه ﴿ سجين ﴾ أو وصفه ﴿ سجين ﴾ وذلك يؤذن بتحقيره ، أي تحقير ما احتوى عليه من أعمالهم المكتوبة فيه ، وعلى هذا حمله كثير من المتقدمين ، وروى الطبري بسنده حديثا مرفوعا يؤيد ذلك لكنه حديث منكر لاشتمال سنده على مجاهيل .

وإن حملت الظرفية في قوله : ﴿ لفي سجين ﴾ على غير ظاهرها ، فجعل كتاب الفجار مظروفا في ﴿ سجين ﴾ مجاز عن جعل الأعمال المحصاة فيه في سجين ، وذلك كناية رمزية عن كون الفجار في سجين .

وجملة ﴿ وما أدراك ما سجين ﴾ معترضة بين جملة : ﴿ إن كتاب الفجار لفي سجين ﴾ وجملة ﴿ كتاب مرقوم ﴾ وهو تهويل لأمر السجين تهويل تفظيع لحال الواقعين فيه وتقدم { ما أدراك في سورة الانفطار .

وقوله : كتاب مرقوم } خبر عن ضمير محذوف يعود إلى ﴿ كتاب الفجار ﴾ والتقدير هو أي كتاب الفجار كتاب مرقوم ، وهذا من حذف المسند إليه الذي

اتبع في حذفه استعمال العرب إذا تحدثوا عن شيء ثم أرادوا الإخبار عنه بخبر جديد .

والمرقوم : المكتوب كتابة بينة تشبه الرقم في الثوب المنسوج .

وهذا الوصف يفيد تأكيد ما يفيده لفظ ﴿ كتاب ﴾ سواء كان اللفظ حقيقة أو مجازا .

( 10 13 ) ﴿ لله ﴾

جملة : ﴿ ويل يومئذ للمكذبين ﴾ يجوز أن تكون مبينة لمضموم جملة : ﴿ ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم ﴾ ( المطففين : 4 ، 5 ) فإن قوله : ﴿ يومئذ ﴾ يفيد تنوينه جملة محذوفة جعل التنوين عوضا عنها تقديرها : يوم إذ يقوم الناس لرب العالمين ويل فيه للمكذبين .

ويجوز أن تكون ابتدائية وبين المكذبين بيوم الدين والمطففين عموم وخصوص وجهي فمن المكذبين من هم مطففون ومن المطففين مسلمون وأهل كتاب لا يكذبون بيوم الدين ، فتكون هذه الجملة إدماجا لتهديد المشركين المكذبين بيوم الدين وإن لم يكونوا من المطففين .

وقد ذكر المكذبون مجملا في قوله : ﴿ للمكذبين ﴾ ثم أعيد مفصلا ببيان متعلق التكذيب ، وهو ﴿ بيوم الدين ﴾ لزيادة تقرير تكذيبهم أذهان السامعين منهم ومن غيرهم من المسلمين وأهل الكتاب ، فالصفة هنا للتهديد وتحذير المطففين المسلمين من أن يستخفوا بالتطفيف فيكونوا بمنزلة المكذبين بالجزاء عليه .

ومعنى التكذيب ب ( يوم الدين ) التكذيب بوقوعه .

فالتكذيب بيوم الجزاء هو منشأ الإقدام على السيئات والجرائم ، ولذلك أعقبه بقوله : ﴿ وما يكذب به إلا كل معتد أثيم إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين ﴾

أي أن تكذيبهم به جهل بحكمة الله تعالى في خلق الناس وتكليفهم إذ الحكمة من خلق الناس تقتضي تحسين أعمالهم وحفظ نظامهم . فلذلك جاءتهم الشرائع آمرة بالصلاح وناهية عن الفساد . ورتب لهم الجزاء على أعمالهم الصالحة بالثواب والكرامة ، وعلى أعمالهم السيئة بالعذاب والإهانة . كل على حسب عمله : فلو أهمل الخالق تقويم مخلوقاته وأهمل جزاء الصالحين والمفسدين ، لم يكن ذلك من حكمة الخلق قال تعالى : ﴿ أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق ﴾ ( المؤمنون : 115 ، 116 ) .

وقد ذكر للمكذبين بيوم الدين ثلاثة أوصاف وهي : معتد ، أثيم ، يقول إن الآيات أساطير الأولين .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٣٠ · الصفحة ١٠٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٣٠ · ص ١٠٦