والظن : مستعمل في معناه الحقيقي المشهور وهو اعتقاد وقوع الشيء اعتقادا راجحا على طريقة قوله تعالى : ﴿ إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين ﴾ ( الجاثية : 32 ) .
وفي العدول عن الإضمار إلى اسم الإشارة في قوله : ﴿ ألا يظن أولئك ﴾ لقصد
تمييزهم وتشهير ذكرهم في مقام الذم ، ولأن الإشارة إليهم بعد وصفهم ب ( المطففين ) تؤذن بأن الوصف ملحوظ في الإشارة فيؤذن ذلك بتعليل الإنكار .
واللام في قوله : ﴿ ليوم عظيم ﴾ لام التوقيت مثل ﴿ أقم الصلاة لدلوك الشمس ﴾ ( الإسراء : 78 ) .
وفائدة لام التوقيت إدماج الرد على شبهتهم الحاملة لهم على إنكار البعث باعتقادهم أنه لو كان بعث لبعثت أموات القرون الغابرة ، فأومأ قوله ﴿ ليوم ﴾ أن للبعث وقتا معينا يقع عنده لا قبله .
ووصف يوم ب ﴿ عظيم ﴾ باعتبار عظمة ما يقع فيه من الأهوال ، فهو وصف مجازي عقلي .
و ﴿ يوم يقوم الناس لرب العالمين ﴾ بدل من ( يوم عظيم ) بدلا مطابقا وفتحته فتحة بناء مثل ما تقدم في قوله تعالى : { يوم لا تملك نفس لنفس شيئا في سورة الانفطار على قراءة الجمهور ذلك بالفتح .
ومعنى يقوم الناس } أنهم يكونون قياما ، فالتعبير بالمضارع لاستحضار الحالة .
واللام في ﴿ لرب العالمين ﴾ للأجل ، أي لأجل ربوبيته وتلقي حكمه .
والتعبير عن الله تعالى بوصف ( رب العالمين ) لاستحضار عظمته بأنه مالك أصناف المخلوقات .
واللام في ﴿ العالمين ﴾ للاستغراق كما تقدم في سورة الفاتحة .
قال في ( الكشاف ) ( وفي هذا الإنكار ، والتعجيب ، وكلمة الظن ، ووصف اليوم بالعظيم ، وقيام الناس فيه لله خاضعين ، ووصف ذاته ب ( رب العالمين ) بيان بليغ لعظيم الذنب وتفاقم الإثم في التطفيف وفيما كان مثل حاله من الحيف وترك القيام بالقسط والعمل على السوية ) اه .
ولما كان الحامل لهم على التطفيف احتقارهم أهل الجلب من أهل البوادي فلا
يقيمون لهم ما هو شعار العدل والمساواة ، كان التطفيف لذلك منبئا عن إثم احتقار الحقوق ، وذلك قد صار خلقا لهم حتى تخلقوا بمكابرة دعاة الحق ، وقد أشار إلى هذا التنويه به قوله تعالى : ﴿ والسماء رفعها ووضع الميزان أن لا تطغوا في الميزان وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان ﴾ ( الرحمن : 7 9 ) وقوله حكاية عن شعيب : ﴿ وزنوا بالقسطاس المستقيم ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين ﴾ ( الشعراء : 182 ، 183 ) .
( 7 9 )
.
إبطال وردع لما تضمنته جملة : ﴿ ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ﴾ ( المطففين : 4 ) من التعجيب من فعلهم التطفيف ، والمعنى : كلا بل هم مبعوثون لذلك اليوم العظيم ولتلقي قضاء رب العالمين فهي جواب عما تقدم .
.
استئناف ابتدائي بمناسبة ذكر يوم القيامة . وهو تعريض بالتهديد للمطففين بأن يكون عملهم موجبا كتبه في كتاب الفجار .
و ﴿ الفجار ﴾ غلب على المشركين ومن عسى أن يكون متلبسا بالتطفيف بعد سماع النهي عنه من المسلمين الذي ربما كان بعضهم يفعله في الجاهلية .
والتعريف في ﴿ الفجار ﴾ للجنس مراد به الاستغراق ، أي جميع المشركين فيعم المطففين وغير المطففين ، فوصف الفجار هنا نظير ما في قوله : ﴿ أولئك هم الكفرة الفجرة ﴾ ( عبس : 42 ) .
وشمول عموم الفجار لجميع المشركين المطففين منهم وغير المطففين يعنى به أن المطففين منهم المقصود الأول من هذا العموم ، لأن ذكر هذا الوصف والوعيد عليه عقب كلمة الردع عن أعمال المطففين قرينة على أن الوعيد موجه إليهم .
و ( الكتاب ) المكتوب ، أي الصحيفة وهو هنا يحتمل شيئا تحصى فيه
الأعمال ، ويحتمل أن يكون كناية عن إحصاء أعمالهم وتوقيفهم عليها ، وكذلك يجري على الوجهين قوله : ﴿ كتاب مرقوم ﴾ وتقدمت نظائره غير مرة .
و ﴿ سجين ﴾ حروف مادته من حروف العربية ، وصيغته من الصيغ العربية ، فهو لفظ عربي ، ومن زعم أنه معرب فقد أغرب . روي عن الأصمعي : أن العرب استعملوا سجين عوضا عن سلتين ، وسلتين كلمة غير عربية .