شماله ما أنفقت يمينه ) ، ( يعني مع شدة القرب بين اليمين والشمال ؛ لأن حساب الدراهم ومناولة الأشياء بتعاونهما ، فلو كانت الشمال من ذوات العلم لما اطلعت على ما أنفقته اليمين ) .
وقد فضل الله في هذه الآية صدقة السر على صدقة العلانية على الإطلاق ، فإن حملت الصدقات على العموم كما هو الظاهر إجراء للفظ الصدقات مجرى لفظ الإنفاق في الآي السابقة واللاحقة كان إخفاء صدقة الفرض والنفل أفضل ، وهو قول جمهور العلماء ، وعن الكيا الطبري أن هذا أحد قول الشافعي . وعن المهدوي : كان الإخفاء أفضل فيهما في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ساءت ظنون الناس بالناس فاستحسن العلماء إظهار صدقة الفرض ، قال ابن عطية : وهذا مخالف للآثار أن إخفاء الصدقة أفضل . فيكون عموم الصدقات في الآية مخصوصا بصدقة التطوع ، ومخصص العموم الإجماع ، وحكى ابن العربي الإجماع عليه . وإن أريد بالصدقات في الآية غير الزكاة كان المراد بها أخص من الإنفاق المذكور في الآي قبلها وبعدها ، وكان تفضيل الإخفاء مختصا بالصدقات المندوبة . وقال ابن عباس والحسن : إظهار الزكاة أفضل ، وإخفاء صدقة التطوع أفضل من إظهارها وهو قول الشافعي .
وقوله : ﴿ وتؤتوها الفقراء ﴾ ، توقف المفسرون في حكمة ذكره ، مع العلم بأن الصدقة لا تكون إلا للفقراء ، وأن الصدقة المبداة أيضا تعطي للفقراء .
فقال العصام : ( كأن نكتة ذكره هنا أن الإبداء لا ينفك عن إيتاء الفقراء ؛ لأن الفقير يظهر فيه ويمتاز عن غيره إذ يعلمه الناس بحاله ، بخلاف الإخفاء ، فاشترط معه إيتاؤها للفقير حثا على الفحص عن حال من يعطيه الصدقة ) ( أي لأن الحريصين من غير الفقراء يستحيون أن يتعرضوا للصدقات الظاهرة ولا يصدهم شيء عن التعرض للصدقات الخفية ) .
وقال الخفاجي : ( لم يذكر الفقراء مع المبداة لأنه أريد بها الزكاة ومصارفها الفقراء وغيرهم ، وأما الصدقة المخفاة فهي صدقة التطوع ومصارفها الفقراء فقط ) . وهو ضعيف لوجهين : أحدهما أنه لا وجه لقصر الصدقة المبداة على الفريضة ولا قائل به بل الخلاف في أن تفضيل الإخفاء هل يعم الفريضة أولا ، الثاني أن الصدقة المتطوع بها لا يمتنع صرفها لغير الفقراء كتجهيز الجيوش .