ولأن قوله : ﴿ فإن الله يعلمه ﴾ ( البقرة : 270 ) قد كان قولا فصلا في اعتبار نيات المتصدقين وأحوال ما يظهرونه منها وما يخفونه من صدقاتهم . فهذا الاستئناف يدفع توهما من شأنه تعطيل الصدقات والنفقات ، وهو أن يمسك المرء عنها إذا لم يجد بدا من ظهورها فيخشى أن يصيبه الرياء .
والتعريف في قوله : ﴿ الصدقات ﴾ تعريف الجنس ، ومحمله على العموم فيشمل كل الصدقات فرضها ونفلها ، وهو المناسب لموقع هذه الآية عقب ذكر أنواع النفقاتت .
وجاء الشرط بإن في الصدقتين لأنها أصل أدوات الشرط ، ولا مقتضى للعدول عن الأصل ، إذ كلتا الصدقتين مرض لله تعالى ، وتفضيل صدقة السر قد وفى به صريح قوله : ﴿ فهو خير لكم ﴾ .
وقوله : ﴿ فنعما ﴾ أصله فنعم ما ، فأدغم المثلان وكسرت عين نعم لأجل التقاء الساكنين ، وما في مثله نكرة تامة أي متوغلة في الإبهام لا يقصد وصفها بما يخصصها ، فتمامها من حيث عدم إتباعها بوصف لا من حيث إنها واضحة المعنى ، ولذلك تفسر بشيء . ولما كانت كذلك تعين أن تكون في موضع التمييز لضمير نعم المرفوع المستتر ، فالقصد منه التنبيه على القصد إلى عدم التمييز حتى إن المتكلم إذا ميز لا يميز إلا بمثلل المميز .
وقوله ﴿ هي ﴾ مخصوص بالمدح ، أي الصدقات ، وقد علم السامع أنها الصدقات المبدأة ، بقرينة فعل الشرط ، فلذلك كان تفسير المعنى فنعما إبداؤهما .
وقرأ ورش عن نافع وابن كثير وحفص ويعقوب فنعما بكسر العين وتشديد الميم من نعم مع ميم ما . وقرأه ابن عامر وحمزة والكسائي بفتح النون وكسر العين . وقرأه قالون عن نافع وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم بكسر النون واختلاس حركة العين بين الكسر والسكون . وقرأه أبو جعفر بكسر النون وسكون العين مع بقاء تشديد الميم ، ورويت هذه أيضا عن قالون وأبي عمرو وأبي بكر .
وقوله : ﴿ وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ﴾ تفضيل لصدقة السر لأن فيها إبقاء على ماء وجه الفقير ، حيث لم يطلع عليه غير المعطي . وفي الحديث الصحيح ، عد من السبعة الذين يظلهم الله بظله ( . . . ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم