تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مدالا بين طائفة الأغنياء كما كانوا في الجاهلية يأخذ قادتهم المرباع ويأخذ الغزاة ثلاثة الأرباع فيبقى المال كله لطائفة خاصة .

ثم عمدت إلى الانتزاع من هذا المال انتزاعا منظما فجعلت منه انتزاعا جبريا بعضه في حياة صاحب المال وبعضه بعد موته . فأما الذي في حياته فهو الصدقات الواجبة ، ومنها الزكاة ، وهي في غالب الأحوال عشر المملوكات أو نصف عشرها أو ربع عشرها . وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم وجه تشريعها بقوله لمعاذ بن جبل حين أرسله إلى اليمن ( إن الله فرض عليهم زكاة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم ) ، وجعل توزيع ما يتحصل من هذا المال لإقامة مصالح الناس وكفاية مؤن الضعفاء منهم ، فصاروا بذلك ذوي حق في أموال الأغنياء ، غير مهينين ولا مهددين بالمنع والقساوة . والتفت إلى الأغنياء فوعدهم على هذا العطاء بأفضل ما وعد به المحسنون ، من تسميته قرضا لله تعالى ، ومن توفير ثوابه ، كما جاءت به الآيات التي نحن بصدد تفسيرها .

ويلحق بهذا النوع أخذ الخمس من الغنيمة مع أنها حق المحاربين ، فانتزع منهم ذلك وقال لهم : ﴿ واعلموا أن ما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول إلى قوله إن كنتم آمنتم بالله ﴾ ( الأنفال : 41 ) فحرضهم على الرضا بذلك ، ولا شك أنه انتزعه من أيدي الذين اكتسبوه بسيوفهم ورماحهم . وكذلك يلحق به النفقات الواجبة غير نفقة الزوجة لأنها غير منظور فيها إلى الانتزاع إذ هي في مقابلة تألف العائلة ، ولا نفقة الأولاد كذلك لأن الداعي إليها جبلي . أما نفقة غير البنين عند من يوجب نفقة القرابة فهي من قسم الانتزاع الواجب ، ومن الانتزاع الواجب الكفارات في حنث اليمين ، وفطر رمضان ، والظهار ، والإيلاء ، وجزاء الصيد . فهذا توزيع بعض مال الحي في حياته .

وأما توزيع المال بعد وفاة صاحبه فذلك ببيان فرائض الإرث على وجه لا يقبل الزيادة والنقصان . وقد كان العرب يعطون أموالهم لمن يحبون من أجنبي أو قريب كما قدمنا بيانه في قوله : ﴿ كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت ﴾ ( 180 ) ، وكان بعض الأمم يجعل الإرث للأكبر .

وجعل توزيع هذه الفرائض على وجه الرحمة بالناس أصحاب الأموال ، فلم تعط أموالهم إلا لأقرب الناس إليهم ، وكان توزيعه بحسب القرب كما هو معروف في

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٣ · الصفحة ٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٣ · ص ٤٦