ومراعاة الإحسان للذي بطأ به جهده ، وهذا المقصد من أشرف المقاصد التشريعية . ولقد كان مقدار الإصابة والخطإ فيه هو ميزان ارتقاء الأمم وتدهورها ، ولا تجد شريعة ظهرت ولا دعاة خير دعوا إلا وهم يجعلون لتنويل أفراد الأمة حظا من الأموال التي بين أيدي أهل الثروة وموضعا عظيما من تشريعهم أو دعوتهم ، إلا أنهم في ذلك متفاوتون بين مقارب ومقصر أو آمل ومدبر ، غير أنك لا تجد شريعة سددت السهم لهذا الغرض . وعرفت كيف تفرق بين المستحب فيه والمفترض . ومثل هذه الشريعة المباركة ، فإنها قد تصرفت في نظام الثروة العامة تصرفا عجيبا أقامته على قاعدة توزيع الثروة بين أفراد الأمة ، وذلك بكفاية المحتاج من الأمة مؤونة حاجته ، على وجوه لا تحرم المكتسب للمال فائدة اكتسابه وانتفاعه به قبل كل أحد .
فأول ما ابتدأت به تأمين ثقة المكتسب بالأمن على ماله من أن ينتزعه منه منتزع إذ قال تعالى : ﴿ يأيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ﴾ ( النساء : 29 ) وقال النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة حجة الوداع : ( إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ) ، سمع ذلك منه مائة ألف نفس أو يزيدون وتناقلوه في آفاق الإسلام حتى بلغ مبلغ التواتر ، فكان من قواعد التشريع العامة قاعدة حفظ الأموال لا يستطيع مسلم إبطالها .
وقد أتبعت إعلان هذه الثقة بحفظ الأموال بتفاريع الأحكام المتعلقة بالمعاملات والتوثيقات ، كمشروعية الرهن في السلف والتوثق بالإشهاد كما تصرح به الآيات الآتية وما سوى ذلك من نصوص الشريعة تنصيصا واستنباطا .
ثم أشارت إلى أن من مقاصدها ألا تبقى الأموال متنقلة في جهة واحدة أو عائلة أو قبيلة من الأمة بل المقصد دورانها بقوله تعالى في آية الفيء : ﴿ ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم ﴾ ( الحشر : 7 ) ، فضمير يكون عائد إلى ما أفاء الله باعتبار كونه مالا أي كيلا يكون المال دولة . والدولة ما يتداوله الناس من المال ، أي شرعنا صرفه لمن سميناهم دون أن يكون لأهل الجيش حق فيه ، لينال الفقراء منه حظوظهم فيصبحوا أغنياء فلا يكون