تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

التي قبلها : ﴿ إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم ﴾ ( آل عمران : 90 ) لأنهم إذا فعلوا ذلك ولم يموتوا كافرين قبلت توبتهم ، بخلاف الذين يموتون على الكفر فسبب عدم قبول التوبة منهم مصرح به ، وعليه فجملة فلن يقبل من أحدهم إلى آخرها في موضع خبر ( إن ) وجملة ﴿ أولئك لهم عذاب أليم ﴾ مستأنفة استئنافا بيانيا ناشئا عن الإخبار بأنه لن يقبل من أحدهم فدية ويجوز أن تكون جملة ﴿ فلن يقبل من أحدهم ﴾ إلى آخرها معترضة بين اسم ( إن ) وخبرها مقترنة بالفاء كالتي في قوله تعالى : ﴿ ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار ﴾ ( الأنفال : 14 ) وتكون جملة ﴿ أولئك لهم عذاب أليم ﴾ خبر ( إن ) .

ومعنى ﴿ فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ﴾ لن يقبل منهم بشيء يفتدون به في الآخرة لظهور أن ليس المراد نفي قبول الافتداء في الدنيا ؛ ضرورة أنهم وصفوا بأنهم ماتوا وهم كفار . والملء بكسر الميم ما يملأ وعاء ، وملء الأرض في كلامهم كناية عن الكثرة المتعذرة ، لأن الأرض لا يملؤها شيء من الموجودات المقدرة ، وهذا كقولهم عدد رمال الدهناء ، وعدد الحصى ، وميز هذا المقدار بذهبا لعزة الذهب وتنافس الناس في اقتنائه وقبول حاجة من بذله قال الحريري :

وقارنت نجح المساعي خطرته

وقوله : ﴿ ولو افتدى به ﴾ جملة في موقع الحال ، والواو واو الحال ، أي لا يقبل منهم ولو في حال فرض الافتداء به ، وحرف ( لو ) للشرط وحذف جوابه لدلالة ما قبله عليه ، ومثل هذا الاستعمال شائع في كلام العرب ، ولكثرته قال كثير من النحاة : إن لو وإن الشرطيتين في مثله مجردتان عن معنى الشرط لا يقصد بهما إلا المبالغة ، ولقبوهما بالوصليتين : أي أنهما لمجرد الوصل والربط في مقام التأكيد . وترددوا أيضا في إعراب الجملة الواقعة هذا الموقع ، وفي الواو المقترنة بها ، والمحققون على أنها واو الحال وإليه مال الزمخشري ، وابن جني ، والمرزوقي . ومن النحاة من جعل الواو عاطفة على شرط محذوف هو ضد الشرط المذكور : كقوله تعالى : ﴿ كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم ﴾ ( النساء : 135 ) . ومن النحاة من جعل الواو للاستئناف ، ذكره الرضي رادا عليه ، وليس حقيقا بالرد : فإن للاستئناف البياني موقعا مع هذه الواو .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٣ · الصفحة ٣٠٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٣ · ص ٣٠٦