القيامة ولا يزيكهم } ( البرة : 174 ) . فعلمنا أنهم المراد بذلك هنا . وقد بينا هنالك وجه تسمية دينهم بالعهد وبالميثاق ، في مواضع ، لأن موسى عاهدهم على العمل به ، وبينا معاني هذه الأوصاف والأخبار .
ومعنى ﴿ ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ﴾ غضبه عليهم إذ قد شاع نفي الكلام في الكناية عن الغضب ، وشاع استعمال النظر في الإقبال والعناية ، ونفي النظر في الغضب فالنظر المنفي هنا نظر خاص . وهاتان الكنايتان يجوز معهما إرادة المعنى الحقيقي .
وقوله : ﴿ ولا يزكيهم ﴾ أي لا يطهرهم من الذنوب ولا يقلعون عن آثامهم ، لأن من بلغ من رقة الديانة إلى حد أن يشتري بعهد الله وأيمانه ثمنا قليلا ، فقد بلغ الغاية القصوى في الجرأة على الله ، فكيف يرجى له صلاح بعد ذلك ، ويحتمل أن يكون المعنى ولا ينميهم أي لا يكثر حظوظهم في الخيرات .
وفي مجيء هذا الوعيد ، عقب الصلة ، وهي يشترون بعهد الله الآية ، إيذان بأن من شابههم في هذه الصفات فهو لاحق بهم ، حتى ظن بعض السلف أن هذه الآية نزلت فيمن حلف يمينا باطلة ، وكل يظن أنها نزلت فيما يعرفه من قصة يمين فاجرة ، ففي ( البخاري ) ، عن أبي وائل ، عن عبد الله بن مسعود ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من حلف يمين صبر ليقتطع بها مال امرىء مسلم لقي الله وهو عليه غضبان ) فأنزل الله تصديق ذلك : ﴿ إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ﴾ الآية فدخل الأشعث بن قيس وقال : ( ما يحدثكم أبو عبد الرحمن ) قلنا : كذا وكذا . قال : ( في أنزلت كانت لي بئر في أرض ابن عم لي ) فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم بينتك أو يمينه قلت : إذن يحلف فقال رسول الله : من حلف على يمين صبر الحديث .
وفي ( البخاري ) ، عن عبد الله بن أبي أوفى : أن رجلا أقام سلعة في السوق فحلف لقد أعطي بها ما لم يعطه ليوقع فيها رجلا من المسلمين فنزلت : ﴿ إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا ﴾ الآية .
وفيه عن ابن عباس أنه قرأ هاته الآية في قصة وجبت فيها يمين لرد دعوى :