تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تختلفون } وإنما يكون ذلك في الآخرة ، فذكر عذاب الدنيا هنا إدماج . فإن كان هذا مما خاطب الله به عيسى فهو مستعمل في صريح معناه ، وإن كان كلاما من الله في القرآن خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون ، صح أن يكون مرادا منه أيضا التعريض بالمشركين في ظلمهم محمدا صلى الله عليه وسلم عن مكابرة منهم وحسد . وتقدم تفسير إسناد المحبة إلى الله عند قوله : قل إن كنتم تحبون الله في هذه السورة .

وجملة ﴿ وما لهم من ناصرين ﴾ تذييل لجملة ﴿ أعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة ﴾ أي ولا يجدون ناصرين ينصرونهم علينا في تعذيبهم الذي قدره الله تعالى .

واعلم أن قوله فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة قضية جزئية لا تقتضي استمرار العذابين :

فأما عذاب الدنيا فهو يجري على نظام أحوال الدنيا : من شدة وضعف وعدم استمرار ، فمعنى انتفاء الناصرين لهم منه انتفاء الناصرين في المدة التي قدرها الله لتعذيبهم في الدنيا ، وهذا متفاوت ، وقد وجد اليهود ناصرين في بعض الأزمان مثل قصة استير في الماضي وقضية فلسطين في هذا العصر .

وأما عذاب الآخرة : فهو مطلق هنا ، ومقيد في آيات كثيرة بالتأييد ، كما قال : ﴿ وما هم بخارجين من النار ﴾ ( اللبقرة : 167 ) .

وجملة ﴿ والله لا يحب الظالمين ﴾ تذييل للتفصيل كله فهي تذييل ثانن لجملة ﴿ فأعذبهم عذابا شديدا ﴾ بصريح معناها ، أي أعذبهم لأنهم ظالمون والله لا يحب الظالمين وتذييل لجملة ﴿ وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ إلى آخرها ، بكناية معناها ؛ لأن انتفاء محبة الله الظالمين يستلزم أنه يحب الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلذلك يعطيهم ثوابهم وافيا .

ومعنى كونهم ظالمين أنهم ظلموا أنفسهم بكفرهم وظلم النصارى الله بأن نقصوه بإثبات ولد له وظلموا عيسى بأن نسبوه ابنا لله تعالى ، وظلمه اليهود بتكذيبهم إياه وأذاهم .

تفسير التحرير والتنوير · الجزء ٣ · الصفحة ٢٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير التحرير والتنويرج ٣ · ص ٢٦١